تمر الأيام على السوريين، ومع كل فجر يشرق فوق الهضاب والسهول، يجد المواطن نفسه في مواجهة نوع آخر من الحروب التي تتطلب صبرا من نوع خاص.
فهي ليست حرب المدافع التي ألفها الناس لسنوات، بل معركة البناء وتحدي الرغيف والوقود وتكاليف العيش الكريم في مرحلة ما بعد التحرير.
وفي كل زاوية من زوايا سورية اليوم، يتردد صدى شعور مزدوج يجمع بين الفخر العظيم بنصر الثورة وبين المعاناة القاسية من الغلاء الذي لا يرحم، وهو شعور يوحد السوريين رغم كل التحديات التي خلفتها سنوات الصراع الطويلة.
المواطن يشعر بفخر لا حدود له بنصر ثورته، وهو متمسك بحكومته الجديدة تمسكا استراتيجيا يرى فيها تمثيلا حقيقيا لإرادته وتضحيات الشهداءملف الكهرباء بين الإنجاز وعجز الجيوبإذا أردنا فهم واقع المواطن السوري اليوم، يجب أن ننظر بعمق إلى ملف الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمحروقات.
فمن الإنصاف القول إن قطاع الكهرباء شهد تحسنا كبيرا ومذهلا منذ لحظة التحرير، حيث عادت الأنوار لتضيء الشوارع والمنازل بفضل الكوادر الوطنية التي رممت الشبكات المحطمة.
إلا أن هذا النجاح اصطدم بعقبة ارتفاع تكاليف التشغيل، مما انعكس على الفواتير التي وصلت إلى مبالغ قياسية باتت تلتهم نصف راتب الموظف السوري، وهو ما خلق فجوة بين توافر الخدمة والقدرة على دفع ثمنها.
فالمواطن يجد نفسه مضطرا لتقنين ذاتي صارم، ليس بسبب انقطاع التيار، بل بسبب عجزه المالي الذي يهدد استقرار أسرته.
المحروقات.
المحرك الخفي للأزماتالمحروقات في سورية ليست مجرد سلعة، بل هي القلب النابض الذي يحرك مفاصل الحياة.
وحين ترتفع أسعار المازوت والبنزين والغاز، فإننا نتحدث عن رفع مباشر لسعر ربطة الخبز وكلفة المواصلات والتعليم والمشافي.
فالمحروقات هي المحرك لكل آلة زراعية وورشة صناعية، ومن هنا تحول غلاء الوقود إلى قوة قاهرة تضغط على الجميع.
فالفلاح في ريف الرقة أو حماة يجد نفسه اليوم في حيرة أمام مضخة المياه والجرار اللذين يحتاجان إلى وقود تفوق كلفته طاقته المادية.
والنتيجة هي ارتفاع أسعار المحاصيل لتعويض الخسائر، مما يضع المستهلك في مواجهة مباشرة مع فقر يمنعه من شراء أبسط الاحتياجات الغذائية.
المعدن الأصيل والتمسك بالدولةرغم هذه الضغوط الاقتصادية الهائلة، يبرز المعدن الأصيل للشعب السوري الذي يثبت يوما بعد يوم أنه شعب حي ومؤمن بقضيته.
فالمواطن يشعر بفخر لا حدود له بنصر ثورته، وهو متمسك بحكومته الجديدة تمسكا استراتيجيا يرى فيها تمثيلا حقيقيا لإرادته وتضحيات الشهداء.
وهذا التمسك ليس عاطفة عابرة، بل هو قرار بالبقاء مساندين لمؤسساتهم حتى تستقر البلاد سياسيا واقتصاديا.
فالسوري يدرك حجم التركة الثقيلة من الدمار والفساد التي ورثتها الإدارة الجديدة، ويعلم أن البناء أصعب من الهدم، لذلك يجد السوريون أنفسهم في خندق واحد مع حكومتهم، يتقاسمون الصبر على الشدائد لتجاوز هذه العقبات.
المطالبة بتخفيض أسعار المحروقات وإعادة النظر في شرائح الكهرباء ليست رفاهية، بل هي صرخة استغاثة ونداء وطني لمنع حدوث فجوات اجتماعية أعمقالأوجاع الإنسانية وبرد الشتاءإن الحديث عن الأرقام الاقتصادية يغفل الجانب الإنساني الأكثر أهمية.
فهناك آلاف العائلات التي تعيش بلا معيل بعد أن خلفت سنوات الحرب جيشا من الأرامل والأيتام والجرحى، وهؤلاء يواجهون الغلاء بصبر شارف على النفاد، وبالتكافل الاجتماعي الذي بات يئن بدوره تحت وطأة الضغوط.
فغياب شبكات الأمان الاجتماعي جعل الفئات الضعيفة الضحية الأولى لتقلبات الأسعار.
وعندما تعادل فاتورة الطاقة حصة الأسد من الدخل، يصبح الدفء في الشتاء حلما صعب المنال، وتتحول الليالي الباردة إلى اختبار قسوة لا يرحم الأطفال وكبار السن، في وقت يحاول فيه المواطن الموازنة بين دفع ثمن الضوء وبين توفير ثمن الخبز.
شلل الصناعة ونداء الاستغاثةلا يمكن فصل أزمة التكاليف عن الشلل الذي يصيب الصناعات الصغيرة والورش اليدوية التي تعتبر عصب الاقتصاد المحلي.
فالخياط والحلاق وصاحب البقالة يضطرون إلى رفع أسعارهم لضمان الاستمرارية، مما يؤدي إلى حلقة مفرغة من التضخم تنهش جسد المجتمع.
فالمطالبة بتخفيض أسعار المحروقات وإعادة النظر في شرائح الكهرباء ليست رفاهية، بل هي صرخة استغاثة ونداء وطني لمنع حدوث فجوات اجتماعية أعمق.
فالناس يريدون من حكومتهم خطوات عملية جريئة تخفف العبء الثقيل، لأن استقرار المواطن معيشيا هو الحصن المنيع الذي يحمي انتصارات الثورة من أي اهتزاز.
الرقة وأيقونة الصمود الريفيفي الرقة وريفها يظهر الوجع السوري بنموذج خاص.
فهذه المحافظة التي عانت من ويلات الإرهاب ثم الدمار، تمثل اليوم أيقونة للصمود والإنتاج، والمسافات الطويلة بين قراها تجعل من الوقود والكهرباء عصب الحياة الحقيقي.
فالفلاح هناك يطالب بالدعم ليس تمييزا، بل لأن طبيعة أرضه تتطلب ذلك لضمان وصول القمح والخضروات إلى موائد السوريين بأسعار مقبولة.
فالعائلات التي بدأت للتو بترميم حياتها لا تملك القدرة على تحمل صدمات سعرية متتالية، وهي تنتظر ترجمة النصر العسكري والسياسي إلى نصر معيشي يشعر به الصغير والكبير في خبزهم اليومي.
إن السوريين الذين قدموا الدماء والدموع ليحرروا ذرات التراب لا يقفون خلف حكومتهم من باب التبعية، بل من باب الأمانة التي وضعوها في أعناق من تصدروا المشهدإن السياسات الاقتصادية المنشودة يجب أن تبتعد عن فكرة الجباية المباشرة التي ترهق القوة الشرائية المنهارة، بل يجب أن تركز على تحفيز الإنتاج وتخفيض تكاليفه.
فالمواطن السوري لا يطلب المستحيلات، بل يطلب السترة والقدرة على العيش بكرامة، وأن يذهب إلى عمله دون استهلاك نصف دخله في المواصلات، وأن يدرس أطفاله تحت ضوء الكهرباء دون بيع أثاث منزله لسداد الفاتورة.
إن إعادة توزيع الموارد ودعم قطاع الطاقة بشكل مدروس هو قرار سياسي وإنساني يصب في مصلحة تثبيت دعائم الدولة الجديدة.
وأمام هذا المشهد المعقد، تبقى الحقيقة الساطعة أن سورية بلد غني بموارده، والأهم من ذلك غني بإنسانه الذي أذهل العالم بصلابة صبره.
ورغم أن حبل الغلاء يلتف اليوم حول الرقاب، إلا أن روح الكرامة لا تزال هي المحرك الأول.
إن السوريين الذين قدموا الدماء والدموع ليحرروا ذرات التراب لا يقفون خلف حكومتهم من باب التبعية، بل من باب الأمانة التي وضعوها في أعناق من تصدروا المشهد.
ويجب أن يدرك المسؤولون جيدا أن هذا الشعب الذي حطم قيود الاستبداد هو نفسه الذي منحهم الشرعية، لتكونوا صوته لا سوطا عليه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك