لا يعرف أحد حتى هذه اللحظة، ما هى التداعيات بعيدة المدى لزيارة الرئيس الأمريكى «دونالد ترامب» الأخيرة إلى الصين.
ما زالت الصورة الكاملة فى طور التكوين، والأوراق تُطرح من أجل إعادة الترتيب من جديد.
تزداد تلك الصورة تشابكاً مع الزيارة القريبة المنتظرة للرئيس الروسى «فلاديمير بوتين» إلى العاصمة الصينية «بكين» من أجل بحث العديد من القضايا مع الشريك الآسيوى القوى الذى يبدو اليوم وكأنه يملك كل الخيوط فى يده، وتمر كل الخطوط عبره، من أفريقيا إلى آسيا، ومن «فنزويلا» إلى «إيران».
حتى وقت قريب، كان من الصعب أن يتصور أحد توجُّه الرئيس الأمريكى إلى الصين التى أعلن ضدها عدة حروب تجارية فى فترتيه الرئاسيتين الأولى والثانية.
ما زالت هناك قيود ومحظورات على العديد من الصادرات الأمريكية التى تتعلق بتكنولوجيا الذكاء الاصطناعى إلى الصين، وتخوفات لا يمكن تبديدها بسهولة لدى الجانبين.
فى الوقت نفسه، فإن زيارة الرئيس الروسى المرتقبة إلى الصين التى تأتى بعد فترة وجيزة من زيارة «ترامب»، قد أثارت تساؤلات عديدة لدى أكثر من يؤثر عليهم أى تقارب محتمل بين الولايات المتحدة وروسيا، وهم الأوروبيون.
تقف الدول الأوروبية على خط المواجهة المباشرة مع التوسعات الروسية فى أوكرانيا، وهى تحسب ألف حساب لتقارب الحليف الأمريكى، الذى يُعد القوة الضاربة داخل حلف شمال الأطلسى «الناتو»، مع الغريم الروسى وبينهما الوسيط الصينى.
أما الرئيس الفنلندى «ألكسندر ستوب»، فبدا وكأنه يسبق الجميع عندما أصدر مؤخراً كتاباً تحت عنوان «مثلث القوة: إعادة التوازن إلى النظام العالمى الجديد»، حاول أن يرسم فيه مستقبل النظام العالمى الجديد الذى لا يبدو أن هناك قوة واحدة قادرة على قيادته، وأن توازن القوى العالمى الجديد قد أصبح يضم ثلاثة أضلاع: الغرب العالمى الذى يضم الولايات المتحدة وأوروبا وحلفاءهما من الدول الليبرالية أو الديمقراطية، والشرق العالمى الذى أصبح اليوم تحت قيادة الصين وروسيا، والجنوب العالمى الذى يضم العديد من الاقتصادات الناشئة والصاعدة حول العالم، من أمريكا اللاتينية وأفريقيا والشرق الأوسط وآسيا، مثل البرازيل والأرجنتين والهند وجنوب أفريقيا، وغيرها.
طرح «ستوب» فى كتابه احتمالاً مثيراً للاهتمام حول مستقبل النظام العالمى، ضمن احتمالات أخرى تتأرجح بين استعادة التوازن والانهيار أو الفوضى.
كان هذا هو الاحتمال النادر الوقوع أو المستبعد ولكنه موجود، أو ما يطلق عليه «البجعة السوداء».
كان هذا الاحتمال بالنسبة للجميع كما يقول «ستوب»: «هو تشكيل آخر تحالف يمكن توقعه، باتفاق ما بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، بين ثلاثة من رجال العالم الأقوياء يتركنا نحن الباقين وراءه.
فى هذا الاحتمال، وفى هذا العالم، فإن القوة سوف تكون مرتكزة على ثلاثة أقطاب: «ترامب» و«شى» و«بوتين» (الرئيس الأمريكى والصينى والروسى)».
هل بدأ الاحتمال الذى طرحه «ستوب» فى كتابه يتحقق بالفعل مع اجتماع رؤساء الأقطاب الكبرى فى «بكين»؟ أم أن الانشقاقات والصراعات بين الغرب العالمى بقيادة الولايات المتحدة، والشرق العالمى بقيادة الصين، سوف تزداد حدة فى الفترة القادمة؟أياً كانت الإجابة، فإن كتاب «ستوب» قد انتبه إلى نقطة مهمة: أنه لم يعد من الممكن لأحد أن يتجاهل الشرق العالمى، ولا أن يدَّعى أن الغرب يمكن أن تظل له السيادة والهيمنة الكاملة على النظام العالمى على الدوام.
بدأ الرئيس الفنلندى، الذى عمل من قبل كوزير للمالية ووزير للخارجية فى بلاده، ينظر إلى الجانب الآخر، أو إلى كفة الميزان الأخرى المواجهة للغرب العالمى، بنظرة تحليلية تقوم على فكرة فهم المنافس بدلاً من مجرد تحويله إلى خصم.
زار «ستوب» الصين عدة مرات والتقى برئيسها «شى جين بينج».
كان يريد أن يفهم ما الذى يمنح الشرق، الذى تحكمه قواعد وقيم أخرى تختلف عن قيم الغرب الليبرالى والديمقراطى الذى ينتمى إليه، نقاط ثقل وقوة فى عالم اليوم.
رسالة الصين للعالم أنها تقدم المساعدة كشريك مساوٍ على خلاف أمريكا وأوروبا.
وهدفها تعديل نظام الغرب لمصلحة الشرققرأ «ستوب» التجربة الصينية بدرجة عالية من الوعى بأسباب تفوقها، بروح من الشراكة والتعاون الأوروبى التى لا تعانى كثيراً من العصبية والشراسة الأمريكية فى تعاملها مع صعود «بكين».
لكن «ستوب» لم يكن ينظر بدرجة عالية من الإيجابية إلى النموذج الروسى، مركز الثقل الآخر فى الشرق العالمى الذى يقول كتاب الرئيس الفنلندى عنه إنه: «داخل مثلث توازنات القوى، يتحدى الشرق العالمى النظام العالمى الليبرالى، بقيمه وقواعده ومؤسساته.
فوق منصة النفوذ والتأثير، تقف الصين وروسيا وإيران (بذلك الترتيب).
ومنذ الحرب الأوكرانية، انضمت كوريا الشمالية إلى هذه الدول الثلاث فيما اعتبره كثيرون فى الغرب «محور العدوان».
تقدم الصين المساندة للرئيس الروسى «فلاديمير بوتين» من الناحيتين الدبلوماسية والاقتصادية، بينما تقدم إيران المسيَّرات والأسلحة لروسيا، وأرسلت كوريا الشمالية قوات ومدفعية وصواريخ إلى خط المواجهة مع أوكرانيا.
هناك دول أخرى فى الشرق العالمى تساند الصين وروسيا، بشكل مباشر أو غير مباشر، فى الأمم المتحدة وغيرها».
ويتساءل كتاب «ستوب»: «ما الذى يمكن أن يوفر التماسك داخل هذه الكتلة المكونة من خمس وعشرين دولة تقريباً؟ إن الشرق العالمى يدور حول المصالح بأكثر مما يدور حول القيم، إلا أن مصالح هذه الدول تختلف فيما بينها.
بعضها، مثل إيران، لديها أجندة وأهداف إقليمية.
دول أخرى، مثل مالى وجمهورية أفريقيا الوسطى والكونغو وإريتريا، معنية أكثر باستقرار النظام.
أما فنزويلا وكوبا ونيكاراجوا فتتقاسم روابط اقتصادية تاريخية مع روسيا.
كوريا الشمالية تعتمد وجودياً على الصين، مثلما تعتمد بيلاروسيا وجودياً على روسيا».
الرئيس الفنلندى: استراتيجية الصين التى تتسم بالصبر تجعلها فى موضع أفضل من روسيا لقيادة الشرق نحو نظام عالمى جديدويواصل: «تختلف هذه المجموعة من دول الشرق العالمى فيما بينها من ناحية الجغرافيا والديموغرافيا والاقتصاد والسياسة والتكنولوجيا والتاريخ والثقافة، بينما تختلف كل من روسيا والصين فى تعاملهما مع النظام العالمى.
إلا أن هذه الدول كلها تتوحد فى رفضها للنظام العالمى الليبرالى الحالى وهيمنة الغرب العالمى، خاصة الولايات المتحدة.
معظم هذه الدول ستكون سعيدة برؤية نظام عالمى متعدد الأقطاب، تقوده قوى كبرى مثل الصين وروسيا ودوائر اهتمامهما».
ويتابع: «والواقع أن القوة السياسية والاقتصادية للصين، بالإضافة إلى استراتيجيتها التى تتسم بالصبر، تجعلها فى موضع أفضل كثيراً من روسيا لقيادة الشرق نحو نظام عالمى جديد.
إن دول الشرق العالمى تشعر بدرجة كبيرة أنها لم تحصل على نصيبها من التقدير أو السلطة فى القسمة العالمية، وسوف تعقد كل التحالفات التى تحتاج إلىها من أجل الحصول على حصة أكبر.
إن الشرق العالمى هو قوة شديدة تعمل بشكل تبادلى مع الأطراف الأخرى، سواء أعجب ذلك الغرب العالمى أم لم يعجبه.
ولا بد علينا أن نفهم ذلك وأن نرقص على إيقاع مصالح دول الشرق العالمى، لو أردنا أن نُحدث توازناً مع تجاهلهم للديمقرطية فى النظام العالمى الجديد».
ثم ينتقل «ستوب» إلى تحليل النموذج الصينى ذى الثقل الواضح فى النظام العالمى اليوم قائلاً: «تتطور الصين وتنمو أكثر من أى دولة أخرى فى العالم.
صارت الصين تمثل شريكاً ومنافساً، وأحياناً خصماً للغرب العالمى.
والواقع أنه فى الوقت الذى كان فيه الغرب منشغلاً بتصوره لنفسه واقفاً فوق قمة العالم، كانت الصين تعمل ببطء وصمت لبناء قوتها، وتشكيل نفسها لتصبح قوة عالمية، على نحو أكثر فاعلية بكثير من روسيا العنيدة.
والآن وصلت الصين، وصار على باقى العالم أن يختار ما إذا كان سوف بتجاهلها، أو يقاومها أو يتعاون معها».
سرعة الإغلاق ودرجة واستجابة الشعب الصينى خلال «صفر كوفيد» لا يمكن أن تحدث فى الغرب الذى يضع الحريات الفردية قبل الالتزام الجماعىويضيف: «تُعتبر الصين أيضاً دولة ذات رؤية ومشاريع ضخمة.
وعندما يمتزج ذلك الأمر بالنمو الاقتصادى والتحسينات فى مستوى الرفاهية العام، يكون ذلك سبباً للحفاظ على الهدوء والسلام على المستوى الداخلى، وكذلك إلى إظهار القوة على المستوى الدولى.
وفى كل الحالات، فمن الواضح أن الصين قوة تتمتع بالصبر.
قوة قامت ببطء، ولكن بثقة، بتوسيع شبكاتها وإقامة روابط وثيقة مع الدول حول العالم».
ثم يعود «ستوب» إلى ما هو أبعد وأعمق من المشهد الحالى لقراءة النموذج الصينى قائلاً إنه: «من الناحية التاريخية، تُعتبر الصين مزيجاً من القانون والسعى نحو التناغم والانسجام، أكثر من كونها نظاماً سلطوياً صارماً.
على مدى ألفى عام مضت، قامت سلالتا «هان» و«تشين» الحاكمتان بتوحيد الصين، وعلى امتداد أربعة قرون أخرى، تطورت فلسفة السلالات الحاكمة إلى الكونفوشيوسية، التى تركز على الطقوس والسلوك اللائق والسليم أكثر من الطاعة الصارمة للقانون.
كان الحكيم الصينى «كونفوشيوس» يتحدث عن تنمية الذات، وتربية العائلة، وإدارة الحُكم الفعالة.
وكانت النتيجة المطلوبة هى مجتمع من الانسجام قائم على القانون».
ويتابع: «ظهرت هذه التركيبة فى سياسة الصين «صفر-كوفيد» التى اتبعتها الصين خلال فترة الجائحة العالمية، والتى انتقدها الغرب.
قامت هذه السياسة على أنه فى حالة اكتشفت السلطات حالات وباء «كوفيد-١٩» فى منطقة ما كانت تقوم بإغلاقها على الفور لأسابيع أو شهور.
كانت السرعة التى تم بها الإغلاق ودرجة الاستجابة من الشعب الصينى أمراً لا يمكن أن يحدث فى الغرب الذى يضع الحريات الفردية قبل الالتزام الجماعى.
النقطة هنا ليست ما إذا كانت هذه السياسة قد نجحت، ولكن فى أنها كانت ممكنة من الأساس».
حجم طلبات براءات الاختراع التى تقدمها الصين يتجاوز الولايات المتحدة بنسبة ٩٠٪ والعالم يراها مرشحاً ذا مصداقية عالية للقيادة فى تكنولوجيا المستقبلويواصل «ستوب»: «فى عام ٢٠١٦ كتبت مقالاً لصحيفة «فاينانشيال تايمز» البريطانية عنوانه «بالنسبة للصين، أوروبا هى أفريقيا الجديدة».
طرحت فى المقال فكرة أن الصين تقوم بالتنقيب عن التكنولوجيا والتصميمات والملكية الفكرية الأوروبية على نحو يشبه ما كانت تفعله أوروبا فيما مضى بالتنقيب عن الموارد الطبيعية الأفريقية، غالباً تحت ستار رقيق من الشركات المملوكة للدولة.
وحذرت فى الوقت نفسه من ردود الفعل التى تحدث بغير تفكير بغرض الحمائية.
بعدها بقليل تدخلت الحكومة الأمريكية فى صفقة صينية لشراء مصنع ألمانى متخصص فى صناعة معدات أشباه الموصلات (التى تدخل فى صناعة رقائق معدات الذكاء الاصطناعى وأجهزة التكنولوجيا الحديثة) والتى تضم تكنولوجيا حساسة يمكن أن يكون لها تداعيات محتملة على الأمن الأمريكى.
كان الدرس المستفاد هنا هو أن التكنولوجيا تقع فى قلب التنافس السياسى والاقتصادى، وأنه بالنسبة للشرق العالمى، خاصة الصين، فإن التكنولوجيا هى المفتاح الرئيسى لتحقيق النمو الاقتصادى والنفوذ السياسى».
ويضيف: «لقد كان الصعود التكنولوجى للصين بعد فترة الحرب الباردة أكثر إبهاراً حتى من صعودها الاقتصادى.
فى فترة التسعينات من القرن الماضى، مثلاً، لم تكن الصين تُعتبر قادرة لا على الابتكار واسع النطاق ولا على توفير سوق محلى للمنتجات القائمة على الابتكار.
وتُظهر بيانات المنظمة العالمية للملكية الفكرية أنه فى عام ١٩٩٦ سجلت الصين أقل من ١٢ ألف طلب لبراءات الاختراع، بينما سجلت الولايات المتحدة فى العام نفسه ١٧٧ ألف طلب.
وكانت شركة «هواوى» (أشهر شركة صينية للاتصالات) مجرد شركة صغيرة، والتليفون المحمول نفسه رفاهية لا يقدر على تحمُّل تكلفتها إلا النخبة.
بعدها بعشرين عاماً، أصبح حجم طلبات براءات الاختراع التى تقدمها الصين يتجاوز الولايات المتحدة بنسبة ٩٠٪، وصارت «هواوى» أكبر شركة اتصالات فى العالم، بينما أصبح غالبية الصينيين يمتلكون هواتف محمولة.
وزادت الصين من قدرتها على اجتذاب المواهب العالمية مع صناعة أبطال قوميين فى مجال التكنولوجيا.
شركات صينية مثل «على بابا» و«تنسينت» وشركة المحمول «تشاومى»، كلها أظهرت أن الصين قادرة على إنتاج الابتكار وكذاك على توفير سوق استهلاكى واسع».
ويواصل كتاب «ستوب»: «ينظر الخبراء اليوم إلى الصين على أنها مرشح ذو مصداقية عالية لقيادة العالم فى مجال تكنولوجيا المستقبل، بداية من تصميم البرمجيات وحتى صناعة أشباه الموصلات والشرائح ومعدات الطاقة المتجددة.
أما من الناحية العسكرية، فقد قال مدير المخابرات المركزية الأمريكية الأسبق «ويليام بيرنز» إن التكنولوجيا سوف تكون هى محور المنافسة مع الصين، وإنها ستكون مسألة بقاء بالنسبة لمستقبل المخابرات الأمريكية».
يعود «ستوب» بعدها للكلام عن الناحية الجيوسياسية فى تفكير الشرق العالمى، خاصة فى أقوى دولتين فيه، روسيا والصين، قائلاً: «يوجد هناك بين دول الشرق العالمى إحساس مشترك بالعداء تجاه الهيمنة الغربية، الأمر الذى يمثل فرصة أمام أى قوة كبيرة للاعتماد على هذا الإحساس بعدم الرضا من أجل تأكيد نفوذها على النظام العالمى.
الصين وروسيا تهدفان إلى ذلك.
إلا أن كلاً منهما تقود أجندة تعدد الأقطاب (فى النظام العالمى الجديد) فى اتجاهات مختلفة.
وكما هو الحال فى مجالات أخرى، فإن استراتيجية الصين البطيئة والمتسللة تُعتبر أقرب إلى النجاح من استعراض القوة الذى تقوم به روسيا على المدى القصير».
ويواصل: «على سبيل المثال، فإن أحد الأهداف طويلة الأمد بالنسبة لكل من روسيا والصين هو كسر الرابطة التى تجمع بين الولايات المتحدة وأوروبا.
وفى عام ١٩٩٧، قدمت روسيا والصين بياناً مشتركاً تحت عنوان «بيان مشترك حول عالم متعددة الأقطاب وإقامة نظام عالمى جديد».
عادة ما يتحدث «فلاديمير بوتين (الرئيس الروسى) بشكل استفزازى عن الاتحاد الأوروبى بوصفه تابعاً للولايات المتحدة، إلا أن منهج الصين أكثر مرونة.
تميز الصين ما بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبى، وتسعى لزيادة التعاون مع الاتحاد الأوروبى على حساب الولايات المتحدة.
لكن عندما يتعلق الأمر بتعاون الصين وروسيا وجهودهما لتفريق الغرب، فإن شراكتهما تكون شراكة مصالح وليست شراكة قيم.
هذه العلاقة هى علاقة منفعة بالنسبة للصين، لكنها مسألة وجودية بالنسبة لروسيا.
كذلك تظهر الصين وروسيا أيضاً فى مجال محاولة تقسيم الاتحاد الأوروبى.
إن التعاون الصينى مع دول شرق ووسط أوروبا المعروف باسم «١٤+١» يسعى لإقامة روابط تجارية واقتصادية مستقلة عن «بروكسل» (مقر الاتحاد الأوروبى).
أما روسيا، فتحاول تقديم معاملة مميزة لبعض الدول الأوروبية فى التعاون فى مجال الطاقة، على غرار خط أنابيب «نورد ستريم» لنقل الغاز الطبيعى إلى ألمانيا».
مبدأ الصين: أخفِ قوتك وانتظر اللحظة المناسبةويتابع: «إن استراتيجية الصين لإعادة تشكيل العلاقات الدولية تقوم على وضع نفسها كوسيط ومانح، وأيضاً على استخدام المشروعات الكبيرة كأداة جيوسياسية.
هناك، مثلاً، الاقتراح الذى قدَّمته حول «مجتمع المستقبل المشترك للإنسانية» لإعادة اختراع نظام عالمى حر من «التحيزات العميقة فى النظام العالمى الموجود حالياً».
أو مبادرة الرئيس الصينى حول الأمن الدولى التى أطلقها عام ٢٠٢٢، وتتحدث بنفس تلك النبرة.
إن الرسالة الكامنة هنا هى: «إن الصين يمكن لها أن تقدم المساعدة كشريك مساوٍ، بينما الغرب سوف يجعل التعاون مشروطاً أخلاقياً، أى أن هدف الصين هو تعديل نظام الغرب لمصلحة الشرق».
ويضيف: «عندما يتعلق الأمر بالتنافس لتشكيل النظام العالمى الجديد، فإن الصين تخطط من أجل المدى البعيد.
هى ليست متعجلة لكى تصبح قائدة العالم.
لديها كل الوقت، والسكان، والموارد لكى تترك الأمور تحدث بشكل تدريجى، أو على حد تعبير القائد والاقتصادى الصينى «دينج شياو بينج»: «أخفِ قوتك، وانتظر لحظتك المناسبة»، وهو ما ستفعله الصين».
«ستوب»: الصين ليست متعجلة لقيادة العالم.
ولديها كل الوقت والسكان والموارد الكافية حتى يحدث الأمر تدريجياًويطرح كتاب «ستوب» هنا تساؤلاً حول المستقبل قائلاً: «السؤال الحقيقى هنا هو ما إذا كان نموذج إدارة الحكم الذى تقدمه الصين يمتلك قدرة كافية على التكيف من أجل مواصلة الطريق حتى النهاية.
على المدى الطويل، سيكون على الصين أن تقوم بتنسيق انفتاح تدريجى لسياساتها كما فعلت مع اقتصادها.
هذا الانفتاح لن يؤدى إلى نوع من الديمقراطية التقليدية، مهما كان الغرب يأمل فى ذلك، إلا أن الصين كذلك لن تصبح نقيضاً أو صورة عكسية للمدينة الفاضلة أو «اليوتوبيا».
سوف يكون النموذج الصينى مزيجاً فريداً من رأسمالية السوق التى تتحكم فيها الدولة، والتخطيط المركزى مع مزيد من اللامركزية الاقتصادية».
ويواصل: «إن رأسمالية الصين التى تتم بقيادة الدولة أدت إلى نجاح انفتاحها الاقتصادى، والنمو الذى نتج عن ذلك قاد إلى تغييرات هائلة فى المجتمع الصينى على مدى أربعين عاماً، انتشرت فيها عمليات التحديث وانخفضت نسبة الفقر، وزاد معها فى المقابل متوسط مستوى الدخل والفوارق فى الأجور.
والواقع أن الصين تمتلك السرعة والدافع، وأن حجم قوتها العاملة، بالإضافة إلى حكومتها المركزية القوية وقدرتها على وضع السياسات موضع التنفيذ، كلها أمور تمنح الصين مزية تنافسية.
يضاف إلى ذلك فكرها التنافسى القوى وأخلاقيات العمل الصلبة لديها، والشوق للثراء الذى يجعلها منافساً عالمياً هائلاً.
وأصبح كثيرون فى الغرب والجنوب العالمى ينظرون إلى معدلات النمو الصينية بعين الحسد، وبعضهم أيضاً بدأ يتطلع إلى النموذج الصينى بحثاً عن الحلول».
وبالنسبة لـ«ستوب»، فإن الموازنة الصينية بين علاقاتها مع روسيا، جارتها فى الشرق العالمى، ومع شركائها فى الغرب العالمى هى أمر لا يمكن تجاهله، يقول: «حتى اليوم، ما زالت روسيا تُعتبر شريكاً تجارياً هاماً بالنسبة للعديد من الدول، خاصة فى مجالى الدفاع والطاقة.
تدرك الصين ذلك، لكنها، وعلى الرغم من زيادة عمق العلاقات التجارية مع جارتها الروسية، لا تعتمد عليها من أجل الازدهار.
روسيا مصدر مفيد للمواد الخام، بما فيها الغاز والنفط، لكن بالنسبة للصين، فإن بنوك الغرب ونظامه المالى وأعماله هى ببساطة أكثر أهمية.
عام ٢٠٢١، مثلاً، وصل حجم صادرات الصين إلى الولايات المتحدة وأوروبا إلى أكثر من سبعة أضعاف حجم صادراتها لروسيا».
النمو الاقتصادى ومستوى الرفاهية فى الصين سبب للحفاظ على السلام الداخلى وإظهار القوة على المستوى الدولىويعود «ستوب» للنظر إلى الشرق العالمى على نحو أكثر شمولاً قائلاً إنه: «بالنظر قُدماً إلى الأمام، فإن اقتصادات دول الشرق العالمى التى تستحق المتابعة هى تلك التى تضم كتلة سكانية شابة ونامية، وفيها بنية تحتية كافية للتكنولوجيا والاتصالات، بالإضافة إلى وجود المعادن النادرة فيها.
تظل الصين وروسيا هما مركز القوة الاقتصادية فى الشرق العالمى على الرغم من أن كلاً من هذين اللاعبين يلعب فى دورى مختلف.
كل منهما سوف يستمر، على الأرجح، فى جهوده للتقليل من هشاشته أمام محاولات الغرب للتلاعب بالقوة الاقتصادية.
بعض الشركاء فى الشرق العالمى سوف يرحبون بهذا الأمر، لكن ليس من الواضح بعد ما إذا كان ذلك سوف يشجع كل الدول فيه على أن تحذو حذو روسيا والصين.
حتى المستقبل القريب على الأقل، فإن التعاون الاقتصادى بين دول الشرق العالمى يظل اختياراً تكتيكياً يستند على الأهداف السياسية قصيرة الأمد، وعلى وجود أو غياب البدائل الأخرى الممكنة».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك