قناة التليفزيون العربي - ما هو "الحل الوسط" الذي يتحدث الرئيس الروسي عن انفتاحه بشأنه بخصوص الحرب ضد أوكرانيا؟ العربي الجديد - فرنسا تدخل كأس العالم 2026 بسلاح النجوم وخبرة ديشان قناة القاهرة الإخبارية - بين القصف والاشتباكات.. النبطية ومحيط الشقيف في قلب التصعيد العسكري روسيا اليوم - مقتل ضابط إسرائيلي بصاروخ موجه أطلقه "حزب الله" في جنوب لبنان (صورة) روسيا اليوم - بوتين: "سو-57" أفضل طائرة مقاتلة في العالم قناه الحدث - مستشار خامنئي: المسودة الحالية لمذكرة التفاهم مع واشنطن غامضة الجزيرة نت - الأدوية تكاد تنفد.. الموت يهدد الآلاف من مرضى السرطان في غزة وكالة الأناضول - تركيا وسوريا تبحثان فرص التعاون في مجال السياحة التلفزيون العربي - من المنبّه إلى التقويم.. هكذا صارت التطبيقات ترتّب يومنا العربية نت - مستشار خامنئي: المسودة الحالية لمذكرة التفاهم مع واشنطن غامضة
عامة

زيارة إلى مملكة الشحاتين بين كتب التاريخ وروايات الأدب

بوابة الأهرام
بوابة الأهرام منذ أسبوعين
3

طالعتنا الصحف منذ عدة أيام بخبر عن أحد المتسولين الذي تصارع أبناؤه بعد وفاته على ممتلكاته التي ذكرت الأخبار أنها تضمنت عدة ملايين وعمارات بالإضافة إلى عدد من السيارات امتلكها هذا الشحاذ أو المتسول، وه...

ملخص مرصد
تسلط الرواية والأدب الضوء على ظاهرة الشحاذة عبر التاريخ، حيث تناولت كتب التراث والأعمال الأدبية أساليبهم في الاحتيال مثل ادعاء الإعاقات أو التقوى. (بحسب) يوسف السباعي في روايته (أرض النفاق)، وصف مملكة الشحاذين بأنها أماكن قذرة تعيش فيها مجموعات متخصصة في النصب، مستخدمة حيلاً متنوعة لابتزاز عطف الناس. كما أشار النص إلى استمرار الظاهرة في العصر الحديث بأساليب جديدة مثل التسول الرقمي عبر منصات التواصل الاجتماعي.
  • رواية (أرض النفاق) ليوسف السباعي تصف مملكة الشحاذين كأماكن قذرة تعيش فيها مجموعات متخصصة في النصب والاحتيال
  • ظاهرة الشحاذة موجودة في جميع الحضارات، منها الإمبراطورية البيزنطية والدولة العباسية التي حاولت علاجها دون جدوى
  • التسول الرقمي عبر منصات التواصل الاجتماعي ظاهرة معاصرة تعتمد على الكذب والاحتيال لابتزاز المال من الناس
من: يوسف السباعي (بحسب النص) أين: مملكة الشحاذين في رواية (أرض النفاق)، الشوارع والطرقات في مصر، الإمبراطورية البيزنطية، الدولة العباسية

طالعتنا الصحف منذ عدة أيام بخبر عن أحد المتسولين الذي تصارع أبناؤه بعد وفاته على ممتلكاته التي ذكرت الأخبار أنها تضمنت عدة ملايين وعمارات بالإضافة إلى عدد من السيارات امتلكها هذا الشحاذ أو المتسول، وهنا تذكرت مملكة الشحاذين وخداعهم فى رواية يوسف السباعى (أرض النفاق) فظاهرة التسول أو الشحاذة ظاهرة تضرب بجذورها إلى أقدم العصور التاريخية واستمرت حتى عصرنا الحالى بصور عدة.

لقد تحدثت كتب التراث العربي والتاريخ والأدب والشعر عن هذه الظاهرة وأصحابها وحيلهم في الابتزاز، وكان من أشهر الشعراء الأحنف العكبرى، وابن الحجاج، وأبو دُلف الخزرجى الذى أنشد قصيدة تتألف من أكثر من مائة وتسعين بيتًا تحدثت عن أحوالهم وأخبارهم وطرق هؤلاء المحتالين في الشحاذة واستجداء عطف الناس، فمنهم أصحاب العاهات أو من ادعى التصوف أو التشيع أو أنه اعتنق الإسلام وطرد من منزله ويحتاج معونة، ومنهم من يضرب الودع أو يبيع منتجات تجميل للنساء أو يسير على الحوانيت ومعه مبخرة.

إلخ.

وفى العصر الحديث عكس الأدباء في أعمالهم هذه الظاهرة، وأرى أن أفضل من صورها كان الأديب الكبير يوسف السباعي (1917- 1978م) في روايته (أرض النفاق).

والشحاذة ظاهرة إنسانية موجودة في كل الشعوب والحضارات حتى في الشعوب المتقدمة والغنية، ومن أمثلة ذلك الإمبراطورية البيزنطية، ففى الإمبراطورية بأباطرتها العظام، وعاصمتها القسطنطينية ذات القصور الفارهة وكنائسها المتلألئة، كانت تقبع طبقة هائلة من الفقراء والفئات المستضعفة، الذين امتهن بعضهم مهنة التسول والشحاذة.

وحاولت الدولة معالجة هذه المشكلة بكل الطرق، فقد عُرف عن بيزنطة وأباطرتها -منذ تاريخها المبكر- الأعمال الخيرية ورعايه الفقراء والمحتاجين، الّتي كانت إحدى المهام الضّرورية الّتي يمارسها الإمبراطور، فأمر الأباطرة وأفراد أسرهم بتوزيع الخبز والطعام يوميًّا على العامة، وأقاموا العديد من المؤسسات الخيرية مثل بيوت الفقراء والمستشفيات التي قدمت الرعاية الطبية، والملاجئ لإيواء المشردين واللاجئين ودور الأيتام والنزل، وكذلك تكايا الطعام لتوزيع الطعام بالمجان، هذا عن غير القادرين عن العمل أو الغرباء، أما القادرين على العمل الذين قاموا بالشحاذة والتسول فكان على مسؤول المدينة إيجاد فرص عمل لهم ولكن إذا رفضوا ذلك كان يتم طردهم في الحال.

ومثال آخر لتفشي هذه الظاهرة في كافة المجتمعات كان فى الحاضرة العباسية بغداد، وفي عهد الخليفة أبو جعفر المنصور لاحظ أحد السفراء البيزنطيين لبغداد حول الجسر الرئيس للعاصمة وجود عدد من الشّحاذين والمتسولين، واعترض المبعوث البيزنطيّ على ترك هؤلاء الذين اعتادوا التسول رغم ما بذلته الدّولة العبّاسيّة من العناية بالفقراء وتخصّيص بيت المال الكثير من الأموال للإنفاق عليهم.

الأمر الذي يشير إلى أن هذه الظاهره سلوك لدى البعض لا يرتبط بالاحتياح والعوز وإنما بالكسل وعدم الرغبة في السعي، وفي رأي عدم الخوف من الله، ويتخذ هؤلاء أساليب متعددة لاستدرار عطف الناس من حولهم وشفقتهم، طرقًا أشبه باللصوصية والاحتيال، وهي طرق أوضحها كانبنا الكبير يوسف السباعي في روايته.

وإذا انتقلنا إلى حياة هؤلاء في الرواية التي أثارت خواطري للحديث عن الشحاذة في التاريخ والأدب، وأعني رواية (أرض النفاق)؛ نجدهم يعيشون في أماكن مليئة بالقاذورات طرقهم ضيقة شبهها الكاتب بـ السردايب والجحور، وملابسهم وأجسادهم متسخة لايهتمون بغسل وجوههم التي يعلوها التراب والسواد و الذباب المنتشر في كل مكان عليهم وعلى الأطعمة، حتى سلوكهم مقزز فيذكر السباعى في روايته شخص يقضى حاجته بجوار حائط يخرج منه رائحة كريهه.

أما الشحاذ فقد بدت عليه المذلة والحاجة الشديدة، فلم يذق الطعام منذ يومين، وكان مقطوع الساق والذراع.

وعندما جاء بطل الرواية إلى أماكنهم يصف إنه سار من زقاق إلى زقاق ومن جحر إلى جحر سائرًا بين أكوام القمامة والعفونة في ظلام شديد، وعندما دخل إلى أحد الجحور وجد أرضيتها غير مبلطة أو مسفلته وإنما من التراب وفرشت عليها أكياس فارغة وحصر ينامون عليها، وبها بعض الدكك الخشبية المتداعية، وعلى الحائط دقت مشابك ومسامير علقت عليها ملابس رثه وأربطة قذرة، وفي أحد الأركان جردل وقلة، ومرآة سوداء مكسورة، وعدد من الصناديق والدواليب المكسورة.

أما الشحاذ نفسه الذي اصطحب بطل الرواية، فلم يكن مقطوع الساق والذراع وإنما هذا كانت وسيلته في الاحتيال خارج مملكة الشحاذين فقد لف جسدة بأربطة ليظهر على هذه الصورة، وهنا البطل يسجل عدة صور من الاحتيال؛ فهناك امرأة ضريرة يقودها طفل عار، وماهي بضريرة، وهناك رجل يضرب صدره بحجر مرددًا عبارات الصلاة على النبي وهو بعيد كل البعد عن التقوى ومعرفة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وهناك الأعرج والأعور والكسيح.

إلخ وجميعهم أصحاء.

وكل هذه الأمور ما كانت إلا حيل وأساليب دنيئة تعلموها ومهروا فيها للنصب والاحتيال، بل لقد ذكر وجود حجرة في هذه المملكة يأخذون بها محاضرات لتعلم وإتقان فن الشحاتة وخاصة في شهر رمضان، بل وجد في هذه المملكة مؤلفين يؤلفون أغانى الشحاذة مثل (من أفطر صايم له أجر دايم)، وأيضًا حجرات لتدريب الأطفال على مزاولة هذه المهنة، وأثناء سير البطل يذكر أنه رأى مخزن كبير به ما يحصل عليه هؤلاء الشحاذين من أشياء يأتى التجار لشرائها، كل هذا وأكثر في مملكة الشحاذين الذين لم يستعففوا أويخافون الله في أخلاقهم وسلوكهم.

وهذا ما قصته الرواية عن بعض أوضاع مصر في أربعينيات القرن الماضي لازال يحدث وأراه بعين رأسي الآن في الشوارع والطرقات ومواقف السيارات وأمام المدارس والجامعات وبجوار الجوامع والأضرحة، وقد وجدت عدد هائل من المتسولين بجوار مسجد السيدة نفيسة ـ رضي الله عنها ـ الذين لم يراعوا حرمه المكان الذي تحول إلى مرتع للتسول والقذارة.

ومن وقتها عزمت على ألا أذهب إليه مرة أخرى، وذكرني ذلك بحادثة وقعت لي وأنا طفلة في قريتي بمحافظة الجيزة، وفي مولد القرية (الشيخ محمد)؛ ففى أحد أيام المولد أعدت أمى أواني فتة أو أرز باللبن -على ما أتذكر- وحملت الأوانى أنا وبعض السيدات اللائي كن يعملن ببيتنا، وبمجرد أن وصلت للضريح هجم علينا أناس بملابس غير نظيفة ويرتدون في رقابهم سلاسل من العقود، وهذا المشهد لا أنساه أبدًا في حياتي؛ لأني حينها أصابني الذعر وسقطت في الأرض ولم أخرج من بين أرجلهم إلا بأعجوبة.

على أية حال لم تتوقف حيل هؤلاء المتسولين الذين كنت أقع ومازلت في شراك خداعهم بتصرفاتهم ولا أستطع تمييز الصادق من الكذاب وأقع في حيرة من أمري.

وفي النهاية أقول لنفسي أني أعامل الله وحده في تصرفاتى نحوهم.

وألاحظ أن متسولي اليوم يستخدمون صورًا جديدة للتسول مستخدمين وسائل التواصل الحديثة عبر الانترنت أو ما عرف بـ (التسول الإلكتروني أو الرقمي)، وهو إعادة إنتاج لصور التسول التقليدي بأساليب حديثة، وهي ظاهرة معاصرة يلجأ فيها الأفراد لطلب الدعم المالي عبر المنصات الرقمية من خلال نشر قصص وحالات إنسانية وهمية لكسب عطف الناس ودفعهم للتبرع، أو البث المباشر (تيك توك) من خلال استغلال ميزات الرسائل والهدايا الافتراضية التي تتحول فيما بعد إلى مبالغ مالية، أو إرسال طلبات مساعدة عبر البريد أو الواتساب، وجميعها قائمة على الكذب والغش والاحتيال والابتزاز للحصول على المال.

وفي الختام أدعو أن توجه الدولة والقادرين من رجال الأعمال والمال عنايتهم بهؤلاء الشحاذين وأن توفر لهم فرص عمل أو تعلمهم حرفه يكتسبون من ورائها، لأن وجودهم في الشوارع والطرقات بين المارة من الأطفال والبنات والنساء يشكل خطرًا كبيرًا نظرًا لشكلهم غير الطيب، وما يفعلونه ويخلفونه وراءهم من قاذورات بالشارع، والشعور بعدم الأمان أثناء السير وسطهم، وكذلك سلوكهم الشرس نحو المارة الذي يتعدى الطلب بالكلام إلى استخدام الأيدى أحيانًا لإجبار البعض لإعطاء المال لهم.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك