حينما قدم المخرج الأميركي جيمس جراي فيلمه الأول" أوديسا الصغيرة" عام 1994، لفت الانتباه إلى ميلاد مخرج سيكون له شأن كبير، يسير على خطى كبار صناع السينما الأميركية.
ومن تجربة إلى أخرى، راح جراي يعزف على الثيمة ذاتها؛ الأسرة في مواجهة التحديات والصراعات، كما شاهدنا في" ذا يارد" عام 2000 و" نحن ملوك الليل" عام 2007، وصولاً إلى تجربته الأحدث" النمر الورقي" المعروض ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان كان السينمائي 2026.
في عمله الجديد، يستعيد جراي عالمه المعتاد، حيث العائلة اليهودية، وصراعات المافيا الروسية اليهودية، والتضحيات والانكسارات، وهي المحاور التي اعتدنا رؤيتها في أفلامه السابقة، لذا يأتي الفيلم بلا جديد حقيقي على مستوى الطرح أو المعالجة.
وفي فيلمه الروائي التاسع، يعود جيمس جراي إلى أجواء بداياته، مقدماً دراما جريمة متقنة تدور حول عصابات روسية وعائلة يهودية مفككة في كوينز.
ويتميز الفيلم بأداء جيد من آدم درايفر في دور الأخ الأكبر النافذ، إلى جانب مايلز تيلر الذي يؤدي دور مهندس متورط مع شقيقه في مشروع لتنظيف قناة محلية يعد بأرباح طائلة، لكنه يقود إلى خطر مميت.
وكما اعتدنا في أعمال جراي، يقدم الفيلم نظرة قاتمة للحلم الأميركي، غير أن السيناريو، رغم توتره المتصاعد بين الشقيقين، يظل أسيراً لعناصر مكررة لا تضيف الكثير إلى رصيد المخرج الفني.
تبدأ أحداث الفيلم في سبتمبر 1986، حين يعرض غاري (آدم درايفر)، الشرطي السابق ومستشار الأمن الخاص، على شقيقه الأصغر إروين (مايلز تيلر) فرصة عمل مغرية مع شركة نفط محلية مرتبطة بالمافيا الروسية، مستفيداً من خبرة إروين الهندسية.
ورغم تخوف إروين، المتزوج من هيستر (سكارليت يوهانسون)، من التورط مع المافيا، إلا أن إغراء الأرباح الضخمة يدفعه للموافقة.
ويواصل جراي معادلته المعتادة، حيث يجد الإنسان البسيط نفسه في مواجهة مع قوى المافيا الكبرى، وهي معادلة طالما حضرت في أفلامه منذ" أوديسا الصغيرة" عام 1994.
لذلك لا تبدو النهاية مفاجئة، بل تتحول تدريجياً إلى شعور محتوم بالفاجعة.
وبالتعاون مع مدير التصوير خواكين باكا-آساي، الذي عمل معه في – نحن ملوك الليل – و– عاشقان – يركز جراي على الأجواء النفسية والشخصيات أكثر من اعتماده على حبكة متماسكة، ليقدم دراسة حزينة عن رجال يحلمون بالثراء لكنهم ينتهون إلى الخراب.
ويقدم آدم درايفر أداءً لافتاً في شخصية غاري، كاشفاً تناقضات رجل يعيش بين التباهي والخوف والانهيار الداخلي، بينما تمنح سكارليت يوهانسون، رغم محدودية حضورها، شخصية هيستر عمقاً إنسانياً مؤثراً، خصوصاً مع الغموض الذي يحيط بحالتها الصحية، في موازاة التهديد المتصاعد الذي يواجهه الشقيقان.
كما تذكرنا الشخصية النسائية هنا بنماذج شاهدناها سابقاً في أفلام مارتن سكورسيزي ووودي آلن وغيرهما من صناع السينما الأميركية اليهود.
ورغم أن جراي لا يذهب بعيداً في مشاهد العنف كما في أعماله السابقة، إلا أنه يفجر كل التوتر المتراكم في المشهد الختامي، وصولاً إلى المواجهة النهائية مع العصابة الروسية، والتي تنتهي" كما هو متوقع" بالفاجعة.
وفي المحصلة، فإن" النمر الورقي" لا يضيف الكثير إلى رصيد جيمس جراي، ولا إلى المسابقة الرسمية لمهرجان كان السينمائي، ليبدو بالفعل فيلماً مخيباً للآمال، وهو ما لم يكن متوقعاً من مخرج يمتلك هذه القامة الفنية الكبيرة.
تنبه صحيفة البلاد مختلف المنصات الإخبارية الإلكترونية الربحية، لضرورة توخي الحيطة بما ينص عليه القانون المعني بحماية حق الملكية الفكرية، من عدم قانونية نقل أو اقتباس محتوى هذه المادة الصحفية، حتى لو تمت الإشارة للمصدر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك