رغم الجهود المبذولة للتكفل بضحايا الاغتصاب، سواء كن قاصرات أو في وضعية إعاقة، فإن عددا من الأحكام القضائية الصادرة في هذا النوع من القضايا يظل، في كثير من الأحيان، دون مستوى العقوبات التي ينص عليها القانون الجنائي المغربي.
فخلال هذا الأسبوع، أدانت المحكمة ببني ملال أربعة رجال بخمس سنوات سجنا نافذا، على خلفية قضية اغتصاب جماعي لشابة تبلغ من العمر 24 سنة وتعاني من إعاقة ذهنية، بعدما أسفرت الواقعة عن حمل الضحية.
وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن الضحية سبق أن تعرضت سنة 2018 لاعتداء جنسي من طرف أحد المتهمين أنفسهم، وأنجبت طفلا أول، غير أنها اتهمت شخصا آخر حينها خوفا من الانتقام.
وينص القانون الجنائي المغربي على تشديد العقوبات في حال كانت الضحية، سواء كانت قاصرا أو راشدة، في وضعية إعاقة جسدية أو ذهنية، أو إذا نتج عن الاعتداء افتضاض للبكارة أو حمل.
وفي مثل هذه الحالات، قد تصل العقوبات إلى السجن من 10 إلى 20 سنة، بل وحتى 30 سنة في بعض الظروف المشددة.
غير أن عددا من الملفات السابقة أظهرت تفاوتا واضحا في الأحكام الصادرة.
وفي هذا السياق، كانت غرفة الجنايات الابتدائية بمحكمة الاستئناف بمراكش قد أدانت، خلال السنة الماضية، ثلاثة أشخاص بعقوبات تراوحت بين ست وعشر سنوات سجنا، بعد تورطهم في اغتصاب جماعي لقاصرة تعاني من إعاقة ذهنية بمدينة العطاوية، وهي القضية التي أسفرت أيضا عن حمل الضحية.
غير أن محكمة الاستئناف شددت العقوبات لاحقا إلى ما بين ثماني واثنتي عشرة سنة سجنا، وفق معطيات حصل عليها موقع يابلادي من الفرع المحلي للجمعية المغربية لحقوق الإنسان، الذي انتصب طرفا مدنيا في الملف.
كما تحولت سنة 2023 قضية الاغتصاب الجماعي لطفلة بمدينة تيفلت، وما رافقها من أحكام ابتدائية مخففة، إلى قضية رأي عام، بعدما حكم على ثلاثة متهمين بسنتين سجنا فقط.
غير أن محكمة الاستئناف بالرباط عادت لتشدد العقوبات، وقضت بأحكام تراوحت بين 10 و20 سنة سجنا نافذا.
وكانت الضحية، البالغة من العمر آنذاك 11 سنة، قد أنجبت طفلا نتيجة الاعتداء، وحظيت بدعم من جمعية إنصاف والمحامي محمد الصبار.
حالات مشابهة وأحكام متفاوتةوفي تعليقها على تفاوت الأحكام وارتباط بعضها بحجم التفاعل الإعلامي، أكدت نجاة أنور، رئيسة منظمة “ما تقيش ولدي”، أن حماية الأطفال والأشخاص في وضعية هشاشة “لا ينبغي أن ترتبط بمستوى التغطية الإعلامية أو حجم التعبئة الشعبية حول أي قضية”.
وأضافت، في تصريح ليابلادي، أن العدالة مطالبة بتطبيق القانون بنفس الصرامة في جميع الملفات، خصوصا عندما يتعلق الأمر باغتصاب قاصرين أو أشخاص يعانون من إعاقة ذهنية، بالنظر إلى خطورة الأفعال وتداعياتها النفسية والاجتماعية.
من جانبه، اعتبر عمر أربيب، رئيس فرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بمراكش-المنارة، أن الإشكال يبدأ من النص القانوني نفسه، موضحا أن القانون الجنائي يميز بين الاغتصاب المرتكب بالعنف وغيره، وهو ما يتعارض، بحسبه، مع المعايير الدولية التي تعتبر كل استغلال جنسي شكلا من أشكال العنف.
ويرى أربيب أن هذا التمييز يفتح المجال أمام تخفيف العقوبات، كما لو أن الضحية كانت موافقة على الفعل موضوع المتابعة.
وأشار المتحدث ذاته إلى أن محكمة الاستئناف في قضية العطاوية أصدرت أحكاما أكثر انسجاما مع الحد الأدنى المنصوص عليه قانونا، لكنه انتقد عدم اعتماد اختبار الحمض النووي لإثبات نسب الطفل المولود نتيجة الاغتصاب، رغم تأكيد العلاقة البيولوجية بأحد المتهمين، بما يضمن حقوق الطفل القانونية والاجتماعية.
وتطرق أربيب أيضا إلى قضية اغتصاب قاصر تبلغ من العمر 14 سنة بمدينة مراكش من طرف مواطن كويتي، مشيرا إلى أن المتهم استغل السراح المؤقت لمغادرة المغرب والإفلات من العقاب.
وأضاف أن القضية استمرت لخمس سنوات، قبل أن يصدر في حقه حكم غيابي بالسجن خمس سنوات، بعد نحو ثلاثين جلسة لم يحضر أيا منها، رغم استمرار الجمعية في المتابعة كطرف مدني بعد تنازل الأسرة.
وأكد الفاعل الحقوقي ضرورة اعتماد مسطرة تلقائية لحماية القاصرين حتى في حال سحب الشكايات من طرف الأسر، مع التنصيص بشكل صريح على الجرائم الجنسية ضد الأطفال ضمن القانون الجنائي، واعتبارها جرائم خطيرة تستوجب عقوبات مشددة قد تبدأ من 25 سنة سجنا.
كما شدد على أهمية المواكبة النفسية والاجتماعية للضحايا، محذرا من الآثار النفسية العميقة التي قد تدفع بعض الضحايا إلى الانطواء أو السلوك الانتقامي تجاه أنفسهم أو المجتمع.
وفي السياق نفسه، شددت نجاة أنور على أن الجرائم الجنسية المرتكبة ضد القاصرين أو الأشخاص في وضعية هشاشة تتطلب “حزما مثاليا”، خاصة عندما تتوفر ظروف مشددة، مؤكدة أن النيابة العامة تضطلع بدور أساسي في حماية الضحايا والدفاع عن المصلحة العامة، بما يضمن انسجام الأحكام مع خطورة الأفعال ويعزز ثقة الضحايا في العدالة.
ويتوفر المغرب، بحسب الفاعلين الحقوقيين، على عدد من خلايا التكفل بالنساء والأطفال ضحايا العنف داخل المحاكم والمستشفيات ومراكز الشرطة، غير أن جزءا كبيرا من المواطنين لا يزال يجهل وجودها أو كيفية الاستفادة من خدماتها.
وفي هذا الإطار، دعا عمر أربيب إلى جعل تدخل هذه الخلايا تلقائيا في قضايا الاعتداءات الجنسية والاغتصاب والاستغلال، دون انتظار شكايات الأسر أو تدخل الجمعيات.
من جهتها، نبهت نجاة أنور إلى أن عددا من الضحايا، خصوصا في المناطق القروية والمعزولة، يعشن تحت ضغط الخوف والصمت، بسبب الخشية من الانتقام أو الرفض الاجتماعي أو غياب الحماية الفعلية، معتبرة أن تعزيز المواكبة النفسية والقانونية والاجتماعية منذ لحظة التبليغ الأولى بات أمرا ضروريا.
كما شددت على أهمية تقريب آليات الحماية من العالم القروي، وضمان التطبيق الفعلي لمقتضيات القانون 103.
13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء، إلى جانب تعزيز حملات التوعية حتى تدرك الضحايا أنهن لسن وحدهن في مواجهة المعتدين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك