بزلازل سياسية وميدانية، فجر اغتيال القائد العام لكتائب القسام عز الدين الحداد، جدار الصمت المحيط باتفاق غزة، واضعاً التهدئة الهشة أمام اختبار تاريخي عاصف، فهل كانت تصفية الزعيم العسكري لـ" حماس" إعلاناً إسرائيلياً مبكراً بالعودة إلى الحرب الشاملة؟ أم أنها الضربة الجراحية القيصرية المنسقة لكسر عظم تيار الرفض وتمهيد الطريق قسراً أمام خطة السلام والازدهار؟مساء الـ15 من مايو (أيار) الجاري، نفذ الجيش الإسرائيلي وجهاز" الشاباك" عملية اغتيال قائد" حماس" العسكري عز الدين الحداد، باستخدام ثلاث طائرات مقاتلة، أطلقت مجتمعة 13 صاروخاً وقنبلة على شقة سكنية كان يختبئ فيها بحي الرمال وسط مدينة غزة، تلاها استهداف سيارة مدنية غادرت الموقع كإجراء احترازي.
نعت حركة" حماس" رسمياً الحداد رئيس جناحها العسكري في قطاع غزة، الذي يعد آخر القادة المؤسسين التاريخيين للمنظومة العسكرية للحركة منذ انطلاقتها عام 1987، وشغل خلال حياته مناصب قيادية متدرجة حتى وصل إلى القائد الفعلي لهيئة أركان كتائب القسام عقب اغتيال محمد السنوار في مايو 2025.
كان الحداد يلقب بـ" شبح القسام" نظراً إلى نجاته من ست محاولات اغتيال متكررة منذ عام 2008، ورصدت تل أبيب مكافأة مالية بقيمة 750 ألف دولار لمن يدلي بمعلومات عنه، إذ وضعه الجيش الإسرائيلي على رأس قائمة التصفيات بعد مقتل قادة الصف الأول (الضيف، عيسى، السنوار)، إذ تتهمه إسرائيل بأنه المشرف المباشر على صياغة وتوزيع الأوامر المكتوبة لقادة الكتائب في هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وقائد جهود الإشراف على تطوير قذائف وصواريخ الياسين 105 المحلية الصنع قبل اندلاع القتال العسكري.
أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن تصفيته تمثل نجاحاً عملياتياً كبيراً، لكن حركة" حماس" أدانت العملية واعتبرتها خرقاً فظاً وتصعيداً خطراً يقوض جهود التهدئة، في المحصلة، وضعت عملية اغتيال عز الدين الحداد مفاوضات غزة أمام استحقاقات ميدانية وسياسية مصيرية.
بينما تروج تل أبيب وواشنطن أن تصفية" شبح القسام" كانت خطوة جراحية ضرورية لإزالة" حجر العثرة" الأكبر أمام تجريد غزة من السلاح، يرى قادة" حماس" أن الجريمة تمثل ابتزازاً سياسياً خطراً يهدد بتدشين مرحلة جديدة من حرب الاستنزاف اللامركزية، وبسبب هذه العملية يتأرجح مستقبل القطاع بين خطر الانهيار الشامل للهدنة الهشة، أو الانزلاق مرغماً نحو إنفاذ خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للسلام والازدهار.
جاءت عملية تصفية الحداد في وقت يخيم فيه التوتر على خطة السلام والازدهار، إذ تعثر الانتقال للمرحلة الثانية بسبب خلافات جوهرية بين" حماس" وإسرائيل حولت التهدئة إلى وضع هش مهدد بالانهيار، ومن أبرز العقبات العالقة عقدة نزع سلاح الفصائل الفلسطينية.
تصر حكومة نتنياهو و" مجلس السلام" والوسطاء على أن الانتقال للمرحلة الثانية وإطلاق عملية إعادة الإعمار الشاملة مشروط بتسليم" حماس" لسلاحها وتدمير الأنفاق بالكامل، لكن الحداد كان يرفض هذا الشرط قطعياً ويعتبر سلاحه خطاً أحمر لحماية القطاع.
بسبب رفض الحداد وتعنته انهارت محادثات المرحلة الثانية من خطة السلام والازدهار، وبدأت إسرائيل تلوح بإمكان العودة للحل العسكري واستئناف الحرب الشاملة، وهو ما تجسد عملياً في استئناف عمليات الاغتيال المركزة واستهداف القيادات العسكرية.
كان ينظر إلى الحداد كأحد الرافضين البارزين لتقديم تنازلات في ملف تسليم السلاح أو الانتقال للمرحلة التالية قبل التزام إسرائيل التام استحقاقات المرحلة الأولى، وللتخلص منه استهدفه الجيش الإسرائيلي عله يسهل الوصول إلى قرار، لكن عملية تصفيته اعتبرتها" حماس" تصعيداً خطراً يهدف بشكل مباشر إلى إسقاط اتفاق غزة والعودة إلى الحرب.
في بيان رسمي، اعتبرت حركة" حماس" أن استئناف الاغتيالات يمثل استئناف الحرب الضروس على غزة، يقول متحدث" حماس" أسامة حمدان" الاتفاق الساري ينص بوضوح على وقف العمليات العسكرية والإجراءات الميدانية، واغتيال القائد عز الدين الحداد يمثل تجاوزاً، وفي حال أعلنت إسرائيل فشل عملية التفاوض أو أوغلت في عدوانها، فإن لدينا خيارات قائمة وسيكون هناك رد فعل فلسطيني، ورد فعل أكبر على مستوى المنطقة".
ويضيف حمدان" السلوك الإسرائيلي يثبت أن حكومة بنيامين نتنياهو غير معنية بإنهاء الحرب أو التزام خطة ترمب، بل تبحث عن تمديد أمد الصراع لتجنب دفع استحقاقات المرحلة الأولى، سياسة الاغتيالات لم تفرز يوماً استسلاماً للحركة، بل إن استهداف أرفع مسؤول عسكري سيجعل مواقف الجناح العسكري أكثر صلابة وتشدداً في مناقشة أي ترتيبات أمنية قادمة مع الوسطاء".
يعلق الباحث في شؤون الفصائل الفلسطينية راجي العبد" كان الحداد بوصفه القائد الفعلي لـ’حماس‘ عسكرياً، يمثل التيار العسكري الصلب الذي يرفض تقديم تنازلات في شأن شروط المرحلة الثانية من الاتفاق التي تتضمن مطالب إسرائيلية بنزع سلاح الأحزاب، وعندما يقول حمدان إن إسرائيل تحاول إجبار الحركة على الرضوخ فهو يشير ضمناً إلى أن تل أبيب استخدمت الاغتيال كأداة لتصفية العقبة العسكرية التي كانت تحول دون تمرير الشروط الإسرائيلية في غرف المفاوضات".
ويضيف الباحث" جاءت عملية الاغتيال كرسالة إسرائيلية مضادة تفيد بأن تل أبيب لن تلتزم الخطوط الحمر للمرحلة الأولى، وأنها تحتفظ بحرية الحركة واستهداف قادة الصف الأول تحت مسمى الضربات الجراحية، مما دفع حمدان إلى التلويح علناً بخيارات العودة للقتال إذا انهار مسار التفاوض كلياً".
ويوضح العبد أن تصفية الحداد هي فرصة نتنياهو لتسجيل انتصار معنوي، مما يثبت صحة قراءة بأن الاغتيال كان خطوة مدروسة لتخريب التهدئة وإعادة القطاع إلى مربع التصعيد العسكري.
من الناحية السياسية والعسكرية، يشكل اغتيال الحداد مفترق طرق حرجاً جداً يهدد بنسف الهدنة الهشة، لكنه قد لا يؤدي بالضرورة إلى انهيارها الفوري والشامل، وذلك لوجود كوابح إقليمية ودولية ضاغطة على الطرفين.
يقول الباحث السياسي رأفت درابيه إن" عملية التصفية الإسرائيلية أنهت عملياً مفهوم الملاذ الآمن لقيادات الصف الأول في غزة، وأعادت لجيش تل أبيب حرية الحركة الاستخبارية وتنفيذ الضربات الجراحية الاستباقية تحت غطاء الهدنة".
ويضيف درابيه" قد يحدث انهيار متدحرج بحيث يمكن أن تجمد ’حماس‘ مشاركتها في مفاوضات المرحلة الثانية كلياً، وترد ميدانياً بعمليات نوعية في غزة، مما يدفع إسرائيل إلى توسيع عملياتها العسكرية، لتجد الهدنة نفسها قد تآكلت تدريجاً وعاد القطاع إلى مربع الحرب الشاملة".
جميع المعطيات الميدانية تؤكد أن المفاوضات بين" حماس" وإسرائيل تعثرت، إذ يشترط الجانب الفلسطيني التزام بنود المرحلة الأولى كاملة بما يشمل الانسحاب العسكري وفتح معبر رفح وإنهاء المجاعة، قبل الانتقال لشروط المرحلة الثانية، لكن إسرائيل تعتقد أن الحداد هو المعرقل الوحيد للمرحلة الثانية من خطة السلام والازدهار.
يقول وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس" كان الحداد يمثل العقبة الميدانية الأولى أمام تنفيذ اتفاق غزة، لقد رفض تنفيذ الاتفاق الذي قاده الرئيس الأميركي لنزع سلاح 'حماس' وتجريد قطاع غزة من السلاح، واستغل منصبه لتوجيه عمليات مستمرة ضد القوات الإسرائيلية، وأسهم في إدارة خطة سرية لإعادة ترميم وتأهيل القدرات العسكرية واللوجيستية للحركة".
ويضيف كاتس عن الحداد" إنه رأس الحربة داخل المجلس العسكري المصغر لحركة ’حماس‘ الذي يرفض تقديم أي تنازلات عملياتية في شأن تسليم السلاح أو تفكيك الأنفاق، بقاؤه حياً يضمن استمرار بنية ’حماس‘ العسكرية".
ومن جانبه يقول الباحث العسكري الإسرائيلي رونين بيرغمان" الجيش كان يرى في الحداد العمود الفقري المتبقي للجناح العسكري عقب اغتيال السنوار، وأن تصفيته هدفها كسر التيار الذي يرفض تسليم السلاح، وغيابه قد يضعف موقف ’حماس‘ الميداني، ويجبرها على إبداء مرونة في مفاوضات المرحلة الثانية المتعلقة بنزع السلاح".
ويضيف بيرغمان" تصفية الحداد تمثل تطبيقاً دقيقاً لسياسة الحكومة القائمة على عدم احتواء التهديدات وإحباط الأعداء بشكل استباقي، لإرسال رسالة إلى بقية قيادات الحركة بأن إسرائيل ستزيل أي شخصية عسكرية تقف عائقاً أمام رؤيتها لغزة منزوعة السلاح".
الاغتيال خطوة ضرورية لكنها ليس لتفجير الحربتتبنى الدوائر السياسية الإسرائيلية وجهة نظر مفادها أن اغتيال عز الدين الحداد كان خطوة ضرورية لإزالة حجر عثرة رئيس من طريق خطة السلام والازدهار في غزة وليس بهدف تفجير هدنة القطاع أو العودة إلى حرب، يقول بيرغمان" الحداد كان يقود الفصيل الأكثر راديكالية داخل غزة، والذي استخدم نفوذه العسكري لإجهاض مساعي تجريد القطاع من السلاح".
ويوضح بيرغمان أن مرحلة الازدهار بالاقتصاد والتمويل الدولي لإعادة بناء غزة، لم تكن ممكناً إذا ظل الحداد، كذلك فإن نفوذه في غزة يعطل لجنة التكنوقراط و" مجلس السلام" من إدارة الشؤون المدنية، وتصفية هذا النفوذ تمنح الإدارة المدنية الجديدة فرصة للعمل من دون تداخل أو تهديد من الأجهزة العسكرية التابعة لـ" حماس".
ويشير بيرغمان إلى أن رئيس" مجلس السلام" الدولي نيكولاي ملادينوف كان مستاء من تصلب مواقف" حماس" العسكرية، مما جعل الأوساط الدولية ترى في إزاحة الحداد فرصة لتسريع تفعيل الاتفاق وبدء مرحلة الاستقرار الإقليمي.
في الواقع، يبدو أن" حماس" فهمت الرسالة الإسرائيلية، وكان موقفها من تصفية الحداد كأسلوب ضغط عليها متشدداً ولم تقدم تنازلات، يقول متحدثها أسامة حمدان" اغتيال القيادات العسكرية يعكس رغبة إسرائيلية في فرض معادلات ميدانية جديدة بالقوة وتعديل بنود الاتفاق الأصلي الذي ترعاه واشنطن".
ويضيف حمدان" الاغتيال تصعيد خطر يهدف إلى تقويض مسار التهدئة وفرض معادلات ميدانية جديدة بالقوة لتعديل شروط الاتفاق، أحد أهداف إسرائيل الأساسية من تصفية الحداد هو الضغط على حركة ’حماس‘ وإجبارها على الرضوخ، ظناً أن استهداف القيادات سيجعل الفصائل تستسلم".
ويوضح متحدث" حماس" أن" إسرائيل غير معنية بخطة الرئيس ترمب للسلام، بل تسعى لفرض وقائعها الخاصة"، مؤكداً أن الحركة لن تخرج من مسار التفاوض السياسي إلا إذا دمرت إسرائيل هذا المسار بالكامل.
جهود الوسطاء تحدد مصير غزةيقود الوسطاء حراكاً دبلوماسياً عاجلاً ومكثفاً لإنقاذ اتفاق غزة من الانهيار الشامل، إذ تم نقل المشاورات إلى تركيا لإعادة بناء الثقة، وقدم الوسطاء خطة عمل فورية تتألف من ثلاثة مقترحات رئيسة تهدف إلى وقف التدهور الميداني.
وبحسب المعلومات المتوافرة فإن المقترحات تقوم على تجميد الخروق العسكرية، وإلزام إسرائيل بوقف عمليات الاغتيال الجراحية والتزام بروتوكولات الهدنة، وتراجع الجيش عن نقاط التوغل العسكري المستحدثة أخيراً داخل القطاع، وزيادة تدفق المساعدات الإنسانية لتصل إلى 600 شاحنة يومياً بهدف معالجة الوضع الإنساني المتدهور.
تعد جولة المفاوضات التي بدأت في منتصف مايو الجاري الأكثر تعقيداً وضبابية، إذ وضعتها عملية اغتيال الحداد أمام استحقاقات ومقايضات سياسية وميدانية مصيرية، ويقول الباحث السياسي عصام إبراهيم" يتبنى مجلس القيادة الجديد لحركة ’حماس‘ موقفاً استراتيجياً صلباً وموحداً يرفض تقديم أي تنازلات جوهرية تمس البنية العسكرية للحركة".
ويضيف إبراهيم" يطلب وفد ’حماس‘ شرطاً أساساً ينص على وجوب قيام إسرائيل بتفكيك خمس ميليشيات محلية ورفع الغطاء عنها كإجراء لبناء حسن النية"، ويتساءل" بناء على مطالب ’حماس‘ بعد اغتيال الحداد، هل إسرائيل تريد هدنة مستقرة أم أن تصفيته كانت بداية العودة للحرب"، موضحاً أن الإجابة ستكون بعد انتهاء جولة المفاوضات الجارية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك