ما شاهدناه على الهواء مباشرة عبر شاشات التليفزيون، يمثل نقلة نوعية غير مسبوقة فى مسار التنمية المستدامة بمصر، وحسناً أن أشار العقيد دكتور بهاء الغنام، المدير التنفيذى لجهاز «مستقبل مصر» للتنمية المستدامة، إلى أن مشروع «الدلتا الجديدة» يمثل تحدياً هندسياً وتنموياً استثنائياً، وغير مسبوق.
وخلال العرض الذى جرى بحضور الرئيس عبدالفتاح السيسى، أوضح «الغنام» أن «الدلتا الجديدة» تُعد أول نموذج تنموى متكامل ومستدام فى البلاد، وهى نواة حقيقية لإقامة مناطق حرة لوجيستية ومدن صناعية وتصديرية، على غرار التجربة الصينية الرائدة.
يقول المثل «ليس من رأى كمن سمع»، وجميعنا يسمع عن النهضة الصينية، ولكن رؤية هذه النهضة بالعين المجردة ومعالجتها شىء آخر.
وكان لى حظ زيارة الصين فى أبريل الماضى، ضمن وفد إعلامى عربى، ورأيت العجب العجاب فى مدينة شنجن الصينية، كنموذج للمناطق الاقتصادية الخاصة، وما يمكن أن تحققه من تطور ونمو فى بضع سنوات.
والنموذج الصينى -بشكل عام- يتميز بحرق المراحل لتحقيق التنمية المتكاملة والمستدامة، وهو ما يتم تطبيقه فى المناطق الاقتصادية الخاصة الصينية.
فى سبعينات القرن الماضى، كانت شنجن مجرد قرية بسيطة لا تزيد على كونها تجمعاً متواضعاً من الأكواخ ومراكب الصيد، يسكنها حوالى 30 ألف نسمة يعيشون على صيد السمك وزراعة الأرز، موزعين بين مستنقعات مالحة وحقول طينية، وكانت تلك القرية مجرد محطة عابرة على طريق يؤدى إلى لا مكان، أقرب إلى النسيان الجغرافى.
لكن رياح التغيير هبت فى ديسمبر 1978، حين أطلق الزعيم الصينى الراحل دنج شياو بينج سياسة «الإصلاح والانفتاح»، ليختار شنجن عام 1980 لتكون أولى المناطق الاقتصادية الخاصة.
كان القرار يبدو جنونياً فى أعين الكثيرين، لماذا هذه البقعة الفقيرة؟
لكن العبقرية الصينية كانت ترى ما لا يراه الآخرون، حيث القرب من مدينة هونج كونج، وإمكانية جذب رأس المال والتقنية، ووجود مساحات شاغرة للتجربة.
واليوم، تحولت شنجن إلى مدينة لا تشبه أى مدينة أخرى، يمتد عمرانها على مساحة 1997 كيلومتراً مربعاً، معادلة مساحة هونج كونج تقريباً، بينما قفز عدد سكانها إلى أكثر من 17 مليون نسمة، غالبيتهم من المهاجرين الشباب القادمين من كل مقاطعات الصين والعالم.
تشير الأرقام الرسمية إلى أن الناتج المحلى الإجمالى للمدينة وصل الآن 3.
4 تريليون يوان، بما يعادل 470 مليار دولار تقريباً، متجاوزاً بذلك اقتصاد دول بأكملها مثل البرتغال وفنلندا، ويقترب نصيب الفرد من الناتج المحلى من 28 ألف دولار، مما يجعلها من أغنى المدن الصينية وأكثرها ديناميكية.
الأرقام وحدها لا تكفى لوصف هذه المعجزة، لأن شنجن هى المدينة الوحيدة فى العالم التى تمتلك سلسلة كاملة لصناعة الهواتف الذكية، من التصميم إلى الشحن.
فيها مقر «هواوى» عملاقة الاتصالات التى اهتزت لها عروش التكنولوجيا الغربية، ومقر «أوبو»، و«تينسنت» صاحبة تطبيق «وى تشات»، الذى يستخدمه أكثر من مليار شخص، ومقر «دى جى آى «المسيطرة على 70% من سوق الدرونات العالمية، ومقر شركة «بى واى دى»، التى تطمح لصدارة صناعة السيارات الكهربائية فى العالم.
تخصص شنجن أكثر من 4.
5% من ناتجها المحلى للبحث والتطوير، وهو رقم يفوق نظيره فى معظم الدول الأوروبية، وتحتضن المدينة 15 جامعة، وشبكة مترو تمتد لأكثر من 550 كيلومتراً، وتصنف كثالث أطول شبكة مترو فى الصين بعد بكين وشنغهاى.
كما تصل نسبة التشجير إلى 45% من مساحتها الإجمالية، مع وجود 1200 حديقة عامة، ولهذا يطلقون عليها أيضاً لقب «مدينة الحدائق»، رغم كونها عاصمة التكنولوجيا.
تنتج شنجن 90% من أجهزة الكمبيوتر المحمولة فى العالم، و80% من الدرونات، و50% من الهواتف الذكية، ويعنى ذلك أن الجهاز الذى تحمله فى جيبك، إن لم يكن صنع فى شنجن، فغالباً ستجد أن قطعه الحيوية خرجت من مصانعها.
ما حدث فى شنجن لم يكن مجرد انتعاش اقتصادى، بل تحول اجتماعى شامل غير مسبوق فى تاريخ البشرية.
ومتوسط العمر فى شنجن يبلغ 32.
5 عاماً فقط، أى إنها مدينة الشباب بامتياز.
هؤلاء الشباب لا يريدون فقط وظيفة، بل يريدون أن يصنعوا شيئاً جديداً، وعبارة «الوقت هو المال، والكفاءة هى الحياة» ليست شعاراً، بل أصبحت دستوراً يمشون عليه هناك.
الزعيم دنج شياو بينج قال ذات مرة: «سواء كان القط أبيض أم أسود، المهم أن يصطاد الفئران»، وفى شنجن، اصطادت الصين أضخم فأر فى التاريخ: فأر التخلف والانغلاق، واستبدلت به تنين التكنولوجيا والانفتاح.
وهذا بالضبط ما تسعى إليه مصر اليوم، من خلال مشروع «الدلتا الجديدة»، الذى يطمح لأن يكون نواة لنهضة زراعية وصناعية شاملة، مستلهماً نجاح النموذج الصينى فى تحويل الحلم إلى حقيقة، والمستحيل إلى إنجاز يلمسه المواطن على أرض الواقع.
مدينة شنجن الصينية لم تبن بالتمنيات والوعود، بل جهد شعب آمن أن المستحيل مجرد كلمة فى القاموس، ويمكن تجاوزها بالأفعال، وهذا ما تحقق تماماً فى «الدلتا الجديدة» المصرية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك