ثمة مساحة تفصل بين نقاء السريرة وبراءتها وبين عتمة الخديعة، مساحةٌ إما أن ينجح المرء في عبورها بالترفع بسمو أخلاقه، أو يسقط في هاوية الزيف والتلون؛ وإن أبرز ما يميز النفس البشرية هو وجود مرآة داخلية صافية ترفض أي تمثيل خارجي يتعارض مع حقيقة ما يبطنه الإنسان، فالفضيلة الحقيقية لا يمكن أن تكون مجرد استعراض يُؤدى أمام العامة ويُخفى في الخفاء، بل هي انسجام تام بين السجية والتعبير والموقف.
ومع ذلك، فإننا في دروب هذه الحياة نلتقي بأشخاص يتقنون ارتداء الأقنعة، إذ يظهرون كحملان وداعة يتحدثون بكلمات معسولة وتملق، ويبدون ابتسامات لطيفة تهدف إلى طمأنة سامعيهم، ولكن ما إن توليهم ظهرك حتى تتحول تلك الوجوه البريئة إلى مخالب تحيك الغل والدسائس، وفي مثل هذه المواقف يستحضر الوجدان بيتاً لأبي الطيب المتنبي يلخص هذا المشهد بإيجاز وبلاغة أزلية حين قال: " إذا رأيت نيوب الليث بارزة.
فلا تظنن أن الليث يبتسم"، فهذه الابتسامات المزيفة لا تدل على مودة، بل تخفي نية مبيتة ومدروسة تشبه البروز المفاجئ لأنياب المفترس استعداداً للوثوب لا الترحيب.
إن الخطر الذي يسببه هؤلاء الأشخاص لا يقتصر على جروح عابرة، بل يمتد ليزعزع سلامة الصدر ويقوض الثقة في الإنسانية، فهم يرتكبون اغتيالاً معنوياً للأمان؛ فالعدو المجاهر يتيح لك فرصة الحذر والمواجهة اللازمة، أما العدو المتخفي الذي يخفي خنجراً وراء ابتسامته فإنه يسلبك القدرة على الفرز والحكم، تاركاً ندوباً وخيبات دائمة في الروح تجعلها متوجسة حتى من الصادقين.
وعلاوة على ما يلحقه هذا السلوك اللاأخلاقي من ضرر بالمرء نفسه، فإنه يهدد استقرار التوازن الاجتماعي ومجمل العلاقات الإنسانية التي قامت في أصلها على المودة، محولاً إياها إلى حالة من اليقظة الدائمة والتوجس المستمر.
إن التعامل بصدق مع الآخرين هو السمة المميزة للشهامة والمروءة، فالأشخاص أصحاب النفوس النبيلة والقلوب النقية يدركون أن مطابقة المظهر الخارجي للمكنون الداخلي ليست مجرد مسألة خيار سلوكي، بل هي قضية أمانة ونبل في الأخلاق، فالإنسان الطيب إما أن يمنحك وداً خالصاً من أعماق قلبه، أو يمضي بعيداً بكل شرف دون التظاهر بالصداقة حفاظاً على طهارة روحه، وإن واقعنا اليوم يستدعي بشدة استعادة هذه الفضيلة، وتربية النفس على أن يكون مظهرنا الخارجي معبراً بصدق عن مخبرنا الداخلي، صيانةً لقلوبنا وحمايةً لإنسانيتنا من دنس الخديعة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك