مجدداً، يحضر فيلم مغربي جديد ضمن الاختيارات الرسمية لمهرجان كان السينمائي الدولي 2026، وهو أمر لم يعد مستغرباً على السينما المغربية وصنّاعها، في ظل الحضور المتواصل لأسماء بارزة، لعل أبرزها نبيل عيوش، ومريم التوزاني، وأسماء المدير وغيرهم.
وقبل أن نذهب إلى فيلمنا الجديد، نشير إلى أن النسبة الأكبر من المشاركات المغربية ظلت تعزف على الإيقاع ذاته، والمتمثل في المرأة التي تتحول دائماً إلى سلعة للتسويق والترويج.
وفي فيلم “الأحلى” للمخرجة المتميزة ليلى مراكشي، نذهب إلى المحور ذاته، وتعالوا نتوقف في بداية قراءة هذا الفيلم أمام جملة محورية تأتي على لسان الشخصية الرئيسية، تختصر من خلالها كل المضامين، حين تقول: “نُضحّي بأجسادنا.
وكل ذلك مقابل لا شيء! ”وهو التعبير المؤلم لبطلة فيلم “الأحلى” بحسب المصطلح الإسباني، و”فراولة” بحسب الترجمة الإنجليزية.
ويُعد هذا العمل أول فيلم روائي طويل للمخرجة المغربية ليلى مراكشي منذ أكثر من عقدين من الزمن، كما قالت وهي تلهث رداً على المدير الفني لمهرجان كان تيري فريمو، بعد أن ارتقت المنصة مع فريقها من الفنانين، ولاحقاً الفنيين، على مسرح كلود ديبوسي.
يروي الفيلم قصة ظروف العمل المزرية للعمال الموسميين الذين يتعرضون للإهانة من قبل أصحاب العمل في جنوب إسبانيا، وهو يختلف تماماً عن فيلم مراكشي الذي حقق لها الشهرة “ماروك” (2005)، وهو فيلم كوميدي رومانسي عن عاشقين جمعتهما الأقدار رغم الاختلاف الديني، وكذلك فيلمها “روك ذا كاسبا” (2013) الذي تناول لمّ شمل عائلة، بطولة نادين لبكي وهيام عباس.
أما فيلمها الأخير، فمن بطولة نسرين الراضي – التي شاهدناها هنا في مهرجان كان في فيلم “الجميع يحب تودا” للمخرج نبيل عيوش عام 2024 – حيث تقدم شخصية “حسنة”، المرأة الهادئة التي تبحث عن فرصة أفضل للعيش بعد أن تركت طفلها، وتُجبر في النهاية على إظهار شجاعتها في مواجهة الظلم الذي لحق بصديقتها وزميلاتها العاملات اللواتي تحملن عذابات الهجرة والغربة لتأمين مستقبل أسرهن.
تغادر حسناء (نسرين الراضي) المغرب للعمل الموسمي في إسبانيا، حيث تعمل في قطف الفراولة مع صديقتها مريم (هاجر غرايغا).
إلا أن حسناء اضطرت للكذب بشأن سجلها الجنائي، إذ قضت ستة أشهر في السجن بتهمة الزنا، ويُعد هذا العمل محاولة يائسة لكسب ما يكفي من المال لاستعادة حضانة ابنها الذي سُلب منها.
ورغم أن ظروف العمل ليست مريحة، فإن هناك نوعاً من الصداقة السطحية بين العاملات، كما تجد كثيرات منهن صاحب العمل إيفان (باكو مورا) رجلاً وسيماً.
لكن عندما يعتدي إيفان جنسياً على مريم، تُختبر صداقة المرأتين، ما يدفع حسناء إلى الاستعانة بالمحامية المحلية بيلار (إيتساسو أرانا) سعياً لتحقيق العدالة.
وهنا تتداخل الحكايات؛ حسناء التي تريد تأمين المستقبل، ومريم التي تعرضت للاغتصاب من قبل صاحب العمل، إضافة إلى المحامية ومجموعة الصديقات اللواتي لم يعد لهن خيار سوى تجاوز الدوافع الأنانية الشخصية والتحول إلى فريق واحد وكتلة متماسكة، حتى وإن كلّف الأمر الترحيل والعودة إلى البلاد.
العنوان الأصلي “الأحلى” يحمل الكثير من الدلالات، جزء منها واضح ومباشر، وأجزاء أخرى متداخلة تدعونا إلى البحث والتحليل، خصوصاً عند دراسة الشخصيات النسائية.
وعذراً لاستخدام تلك الدلالات، فإن الفيلم يوحي بأن مجموعة النساء العاملات في الأعمال الموسمية هن بالفعل “ثمار” العنوان، الجاهزات للاستهلاك، على الأقل وفق معاملة أصحاب العمل لهن، الذين يستغلون حاجتهن الماسة إلى كسب المال في ظروف غير مثالية، بغض النظر عن أي أبعاد قانونية أو إنسانية.
وهو معادل سلبي تجاه المرأة المغربية المناضلة التي تضحي من أجل أسرتها.
يتميز بناء السرد بالبساطة والوضوح، ولربما الانشغال بالهوامش في عدد من المشاهد لا يعمل على تكثيف البناء الدرامي، رغم الدقة في بناء الشخصيات، من مريم التي دخلت اللعبة إلى غيرها، مروراً بحسنة نفسها، التي صمتت في اللحظة الأصعب، لكنها لاحقاً تصبح الشاهدة التي تُجبر على التعبير عن تضامنها بفعل الصواب، رغم ما يترتب على ذلك من مخاطرة بوظيفتها الهشة في إسبانيا.
في الفيلم كمية من الهوامش والمشاهد المكررة والمستعادة، إضافة إلى شخصيات تظهر من دون أن تتطور، فضلاً عن أداءات وحوارات سبق أن شاهدناها في الكثير من الأعمال المغربية السابقة، باستثناء الأداء اللافت للثلاثي نسرين وهاجر وهند.
وإذا كنا أمام ثلاثة مراحل في فيلم ليلى مراكشي تبدأ بالهجرة والوصول، ثم الاعتداء والمعاناة، وصولاً إلى الجزء الثالث الذي يتمحور حول المراجعات القانونية والمحكمة، فإن الفصل الثالث من فيلم “الأحلى” يبدو مبتوراً بعض الشيء، إذ تسارع مراكشي في خوض الإجراءات القانونية اليائسة المصممة لمعاقبة النساء اللواتي تقدمن بشكاوى الاعتداء.
وهنا لا بد أن نتوقف أمام الحضور المتميز للإسبانية إيتساسو أرانا، في دور بيلار، محامية النقابات الإسبانية المعذبة التي تبدو وكأنها تؤدي دور “الفارس الأبيض”، بينما تلمّح مراكشي بذكاء إلى أنها أكثر انخراطاً في الحركة من الأشخاص الذين يواجهون مصيرهم، على الأقل من خلال عجزها عن تذكر أسماء موكليها.
ونخلص إلى أن فيلم “الأحلى” للمخرجة ليلى مراكشي، ورغم أهمية نهايته المفتوحة على جميع الاحتمالات، يقدّم جانباً مستعاداً سبق أن شاهدناه في عدد غير قليل من الأعمال السينمائية المغربية، التي ما زالت تعزف على مقام “المرأة” لأسباب ترويجية بحتة، وتحويل القضايا الكبرى إلى مجرد كون المرأة “الأحلى” الجاهزة لفعل أي شيء من أجل أن تعيش.
وهو أمر فيه كثير من الظلم لمكانة وقيمة ودور المرأة المغربية والعربية.
والمرأة بشكل عام.
ويبقى أن نقول: فيلم “الأحلى” يحتاج إلى مراجعات كبرى على صعيد كتابة النص، بصرياً ودرامياً.
تنبه صحيفة البلاد مختلف المنصات الإخبارية الإلكترونية الربحية، لضرورة توخي الحيطة بما ينص عليه القانون المعني بحماية حق الملكية الفكرية، من عدم قانونية نقل أو اقتباس محتوى هذه المادة الصحفية، حتى لو تمت الإشارة للمصدر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك