بدأت ناقلات النفط الإيرانية القديمة تتحول تدريجياً إلى خزانات عائمة في مياه الخليج وخليج عُمان، بعدما أدى الحصار البحري الأميركي إلى تعطيل جزء متزايد من صادرات الخام الإيراني، ودفع طهران إلى تخزين ملايين البراميل في البحر مع اقتراب منشآتها البرية من حدود الامتلاء، في تطور يعكس انتقال المواجهة بين واشنطن وإيران من العقوبات المالية التقليدية إلى حرب استنزاف بحرية تستهدف قلب تجارة الطاقة الإيرانية.
وكشفت صحيفة فاينانشال تايمز البريطانية، في تقرير نشرته اليوم الثلاثاء، أنّ إيران باتت مضطرة إلى تخزين النفط على متن ناقلات متهالكة راسية قرب جزيرة خرج وميناء جابهار، بعد أسابيع من تشديد الحصار الأميركي على السفن المرتبطة بالنفط الإيراني.
واستند التقرير إلى بيانات منظمة" متحدون ضد إيران نووية" (UANI)، وصور أقمار صناعية أوروبية أظهرت تزايد أعداد السفن المتوقفة داخل الخليج بصورة غير مسبوقة.
وبحسب البيانات، يوجد حالياً نحو 39 ناقلة محملة بالنفط والبتروكيماويات الإيرانية داخل الخليج، مقارنة بـ29 ناقلة فقط قبل بدء الحصار الأميركي في 13 إبريل/نيسان الماضي، إضافة إلى 13 ناقلة أخرى قرب ميناء جابهار على خليج عُمان، في الجانب الشرقي من مضيق هرمز.
ويشير هذا التكدّس إلى أن صادرات النفط الإيرانية لم تعد تتحرك بالوتيرة المعتادة نحو الأسواق الآسيوية، خصوصاً الصين، التي كانت تمثل الوجهة الرئيسية للخام الإيراني خلال السنوات الأخيرة.
فقبل الحرب، كانت إيران تصدر ما بين 40 و60 مليون برميل شهرياً، أي ما يعادل نحو 2% من الإمدادات النفطية العالمية، عبر شبكة معقدة من الناقلات القديمة وعمليات النقل البحري السرية التي سمحت لطهران بالالتفاف على العقوبات الغربية.
لكن الحصار الأميركي الجديد غيّر قواعد اللعبة.
فبدلاً من التركيز فقط على العقوبات المصرفية أو ملاحقة الشركات، انتقلت واشنطن إلى تضييق الخناق على حركة السفن نفسها، عبر مراقبة الموانئ الإيرانية والممرات البحرية وعمليات نقل النفط من سفينة إلى أخرى.
الحصار الأميركي يخنق النفط الإيرانيتقول الولايات المتحدة إن الحصار يستهدف السفن الداخلة إلى الموانئ الإيرانية أو الخارجة منها، وكذلك السفن التي تحمل النفط الإيراني أو الشحنات المصنفة خاضعة للعقوبات.
ووفقاً لتحديث نشرته القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) في 11 مايو/أيار الجاري، أعادت القوات الأميركية توجيه 62 سفينة تجارية وعطلت أربع سفن منذ بدء الحصار، فيما تحدثت تصريحات أميركية لاحقة عن إعادة توجيه نحو 70 سفينة خلال الشهر الأول من العمليات.
ويبدو أن التأثير بدأ يظهر بوضوح على قدرة إيران التخزينية، إذ قال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، الخميس الماضي، خلال مقابلة مع قناة" CNBC" الأميركية إن منشآت التخزين الإيرانية امتلأت تقريباً، وإن طهران قد تضطر قريباً إلى خفض أو إيقاف جزء من إنتاجها النفطي إذا استمر تعطيل حركة التصدير.
وأوضح أن إيران لم تتمكن من تحميل أي ناقلات في محطة جزيرة خرج النفطية خلال ثلاثة أيام متتالية بسبب الحصار الأميركي الذي يمنع السفن من الدخول إلى الخليج أو مغادرته.
وتؤكد بيانات شركات تتبع الطاقة أن إيران باتت تعتمد بشكل متزايد على التخزين العائم لتجنب وقف الإنتاج.
وقالت المحللة في شركة" كبلر"، يوي توريكاتا، إن كمية النفط الإيراني الموجودة على متن الناقلات داخل الخليج وصلت إلى أعلى مستوياتها منذ بداية الحرب، وظلت مرتفعة منذ مطلع مايو/أيار الجاري.
وأضافت الشركة أن هناك حالياً نحو 42 مليون برميل من النفط الخام الإيراني على متن ناقلات في الشرق الأوسط، بزيادة بلغت 65% منذ اندلاع الحرب، بينما تمتلك إيران ناقلات فارغة إضافية يمكن استخدامها لتخزين نحو 24 مليون برميل أخرى إذا استمر الحصار.
أما شركة" كيروس" المتخصصة في بيانات الطاقة، فأشارت إلى أن التخزين البري الإيراني ارتفع أيضاً بنحو 10 ملايين برميل، لترتفع نسبة الامتلاء إلى نحو 64%، ما يمنح إيران أسبوعين إضافيين تقريباً قبل الوصول إلى مستويات أكثر خطورة.
وقال كبير المحللين في الشركة، أنطوان هالف، إن طهران تحاول توسيع هامش الوقت المتاح أمامها عبر زيادة التخزين العائم والبري في آن واحد، لتأخير أي قرار بخفض الإنتاج، لأن وقف بعض الحقول النفطية قد يسبّب مشكلات تشغيلية معقدة ويؤدي إلى خسائر مالية كبيرة في ذروة الحرب.
وتتركز الأزمة بشكل خاص حول جزيرة خرج؛ مركز تصدير النفط الرئيسي لإيران شمال الخليج.
فبحسب تحليل" فايننشال تايمز" المعتمد على بيانات أقمار" سنتينل-1" التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية، ارتفع عدد السفن الراسية قرب الجزيرة إلى نحو 20 سفينة، مقارنة بست فقط قبل شهر.
ولا يظهر هذا التكدس في بيانات الملاحة التقليدية، لأن كثيراً من السفن الإيرانية أو المرتبطة بالنفط الإيراني لا تبث إشارات التتبع الخاصة بها عبر أنظمة التعريف الآلي (AIS)، في محاولة لتجنب الرصد والعقوبات.
ولهذا أصبحت صور الرادار الفضائي الأوروبية من الأدوات الأساسية لرصد التحركات الحقيقية لـ" أسطول الظل" الإيراني.
وأشارت" فاينانشال تايمز" إلى أن شركات الأقمار الصناعية التجارية الأميركية بدأت تقييد الوصول إلى صور المنطقة استجابة لطلبات من الحكومة الأميركية، ما جعل صور وكالة الفضاء الأوروبية من المصادر القليلة المتاحة لمراقبة التحركات البحرية في الخليج.
وزاد المشهد تعقيداً بعد رصد بقعة نفطية كبيرة قرب محطة جزيرة خرج في 6 مايو/ أيار الجاري، وفق شركة" ويندوارد" للتحليلات البحرية.
وقالت الشركة إن المحطة لم تشهد تحميل أي ناقلة بالنفط بين 6 و14 مايو/أيار، بينما أظهرت صور الأقمار الصناعية لاحقاً أن البقعة النفطية تفككت وانتشرت جنوبي وجنوب غربي الجزيرة.
مسارات بديلة للنفط الإيرانيورغم تشديد الحصار، لا تزال بعض الناقلات الإيرانية تحاول الوصول إلى الأسواق الآسيوية عبر مسارات بحرية أطول وأكثر تكلفة.
ووفق تقرير" تحديث الشحن البحري في حرب إيران" الصادر عن منظمة" متحدون ضد إيران نووية" في 11 مايو/ أيار الجاري، بدأ بعض الناقلات الإيرانية استخدام طرق غير تقليدية عبر المحيط الهندي ومضيق لومبوك الإندونيسي لتجنب القوات الأميركية، بدلاً من المرور عبر مضيق ملقا التقليدي.
ومن أبرز هذه الحالات الناقلة الإيرانية HUGE، التي حملت النفط من جزيرة خرج في 31 مارس/آذار الماضي، ثم غادرت جابهار في 14 إبريل/نيسان قبل أن ترصد قرب سريلانكا ثم في مضيق لومبوك باتجاه الصين.
كما سجلت المنظمة 42 عملية نقل نفط من سفينة إلى أخرى (STS) في منطقة الرسو الشرقية الخارجية قبالة السواحل الماليزية منذ بداية الحرب، في استمرار لمحاولات" أسطول الظل" الحفاظ على تدفق النفط الإيراني إلى المشترين الآسيويين.
لكن في المقابل، بدأت عشرات الناقلات الإيرانية العودة فارغة من المياه الآسيوية إلى إيران، في مؤشر متزايد على صعوبة تصريف الخام المخزن وعلى ارتفاع كلفة الالتفاف على الحصار.
ويأتي كل ذلك بينما يتحول مضيق هرمز إلى أكثر نقاط الصراع حساسية في الحرب.
فبحسب بيانات" متحدون ضد إيران نووية"، شهد الخليج العربي ومضيق هرمز وخليج عُمان 42 حادثاً بحرياً، مؤكداً منذ بداية الحرب في 28 فبراير/شباط لماضي، شملت سفناً تجارية وبنية تحتية بحرية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك