في مشهد يختلط فيه الترقّب الحذر بضغوط اقتصاد الأزمات، استأنفت بورصة طهران، اليوم الثلاثاء، نشاطها بعد توقّف قسري استمر نحو 80 يوماً منذ بدء العدوان على إيران في 28 فبراير/شباط الماضي.
وتأتي العودة في وقت تواجه فيه البلاد تحديات اقتصادية متفاقمة تشمل ارتفاعاً حاداً في الأسعار، وتسريحات واسعة للعمالة، بالتزامن مع مساع لإعادة إعمار المنشآت النفطية المتضررة من الحرب الأخيرة.
ووفق تقرير للتلفزيون الإيراني، فتحت شاشات التداول عند التاسعة صباحاً على موجة بيع كثيفة، إذ بلغت عروض البيع نحو 103 تريليونات ريال، مقابل طلبات شراء لم تتجاوز 15.
75 تريليون ريال، في مؤشر على حجم القلق الذي يسيطر على المستثمرين بعد فترة الإغلاق الطويلة.
ورأت صحيفة دنيا الاقتصاد الإيرانية أن هذا الاختلال الحاد بين العرض والطلب يعكس حالة انعدام اليقين السياسي والاقتصادي التي تراكمت خلال الأشهر الماضية، مشيرة إلى أن ما تشهده السوق حالياً يمثل تفريغاً للصدمة لدى المستثمرين الذين اتجهوا خلال فترة إغلاق البورصة إلى أسواق بديلة مثل الذهب والعملات الأجنبية والعقارات.
ولم تشمل العودة جميع الشركات، إذ بقيت أكثر من 40 شركة كبرى، معظمها في قطاعي الكيماويات والمعادن الأساسية، خارج التداول بسبب الأضرار التي لحقت بمنشآتها خلال العدوان الأميركي الإسرائيلي.
وفي المقابل، عادت أسهم قطاعات المصارف والسيارات إلى التداول ضمن قيود صارمة حدّدت سقف البيع بـ100 ألف وحدة لمنع انهيار الأسعار.
وفي وقت تركز فيه النخبة المالية على أداء السوق، يواجه المواطن الإيراني موجة غلاء متسارعة تضرب مختلف السلع الأساسية، وسط جهود حكومية وقضائية لكبح الاحتكار والتلاعب بالأسعار.
وبينما فتحت بورطة طهران، اليوم الثلاثاء، شهدت سوق العملات الأجنبية منذ أمس الاثنين، تقلبات جديدة لصالح الريال بشكل طفيف، على خلفية أنباء عن تقدم بالمفاوضات وتصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتأجيل العودة للحرب.
وتراجع سعر صرف الدولار من مليون و1810 ريالات إلى مليون و1760 ريالاً.
وأفادت وكالة دانشجو الإيرانية بأن الأسواق المحلية شهدت زيادات حادة في الأسعار منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير/شباط، طاولت السلع الاستهلاكية والرأسمالية على حد سواء.
وسجلت أسعار البيض ارتفاعاً قياسياً بنسبة 45% نتيجة ارتفاع تكاليف النقل والأعلاف الحيوانية والمخاوف من اضطراب سلاسل التوريد، فيما ارتفعت أسعار الدواجن بنحو 40% بسبب زيادة تكاليف الأعلاف والطاقة والشحن.
وفي قطاع السلع المعمرة، ارتفعت أسعار الهواتف المحمولة بنسبة 40% نتيجة تقلبات أسعار الصرف والمخاوف من فرض قيود على الواردات.
كما صعدت أسعار الدراجات النارية بنحو 35%، بينما ارتفعت أسعار السيارات والفضة بنسبة 30%.
أما سوق العقارات، فسجل ارتفاعاً متوسطه 20% رغم استمرار الركود في حركة البيع والشراء، مدفوعاً بتوقعات تضخمية دفعت البائعين إلى التمسك بالأسعار المرتفعة.
وفي سوق الذهب والعملات، ارتفع سعر الدولار بنحو 10%، بينما زاد الذهب بنسبة تقارب 8% مع تصاعد الطلب على الملاذات الآمنة في ظل التوترات السياسية والاقتصادية.
كما أظهرت بيانات مركز الإحصاء الإيراني (لا تشمل هذه البيانات موجة ارتفاع الأسعار الأخيرة بل تشمل ارتفاع الأسعار في خريف 2025 بالمقارنة مع خريف 2024) تسجيل الطماطم ارتفاعاً بنسبة 73.
4% مقارنة بالعام السابق، ليصل سعر الكيلوغرام الواحد إلى 493,660 ريالاً.
ولم يكن الخيار بعيداً عن هذا المنحى؛ إذ قفز بنسبة 44.
2% ليبلغ 651,160 ريالاً.
أما البروتين الأساسي للطبقة المتوسطة، وهو البيض، فقد سجل الكيلوغرام منه 1,110,280 ريالاً بعد زيادة ناهزت 37%.
التضخم لم يكتفِ بالخضراوات، بل ضرب العصب الحيوي للغذاء الإيراني؛ حيث ارتفع سعر الكيلوغرام من الأرز الإيراني الممتاز إلى 3,321,450 ريالاً، بينما بلغ سعر الأرز الأجنبي المستورد، الذي تعتمد عليه الفئات الأقل دخلاً، 1,210,670 ريالاً للكيلوغرام الواحد.
وفي قطاع اللحوم، تبدو الأرقام صادمة؛ إذ بلغ سعر كيلوغرام لحم الضأن نحو 8,737,760 ريالاً، ولحم البقر والعدول حوالي 8,640,290 ريالاً.
هذه الارتفاعات التي تجاوزت في بعض أصناف اللحوم حاجز الـ26%، تؤكد أن الأمن الغذائي بات في دائرة الخطر الحقيقي.
وفي مفارقة تثير التساؤلات، كان الموز هو السلعة الوحيدة التي سجلت انخفاضاً طفيفاً (1.
4%) ليبلغ سعره 1,594,560 ريالاً، وهو ما يفسره البعض بوفرة الاستيراد أو تراجع الطلب عليه كسلعة غير أساسية أمام جنون أسعار اللحوم والحبوب.
ويمر المشهد الاقتصادي الإيراني بمرحلة حساسة، فمن جهة، هناك رغبة رسمية في إظهار القوة والتماسك، من خلال إعادة فتح الأسواق المالية (البورصة)، ومواصلة إعمار منشآت الطاقة، ومن جهة أخرى، هناك واقع اجتماعي يغلي تحت وطأة تضخم تجاوز كل التوقعات ومعدلات بطالة مرشحة للانفجار.
بالتوازي مع الأزمة التضخمية، تتزايد عمليات تسريح العمال والموظفين في القطاعين الحكومي والخاص نتيجة الضغوط المالية الناجمة عن الحرب والعقوبات.
وحذر الكاتب الإيراني محمد مهاجري، في مقال بموقع" خبر أونلاين"، من تصاعد موجة التسريحات، مؤكداً أن آلاف العاملين انضموا بالفعل إلى طوابير البطالة، فيما يفتقر كثير منهم إلى مظلة تأمين البطالة، خاصة في قطاعات البناء والأنشطة الرقمية.
وأشار مهاجري إلى أن الشركات الحكومية وشبه الحكومية والخاصة، وبسبب المشاکل المالية الحادة الناجمة عن تكاليف الحرب والعقوبات الاقتصادية، بدأت في إضافة آلاف الأسماء إلى طوابير البطالة.
وانتقد الصحافي الإيراني محمد مهاجري، في مقال له، تزايد وتيرة تسريح العمال والموظفين في القطاعات الحكومية والخاصة بذريعة الضغوط الاقتصادية الناجمة عن الحرب والعقوبات.
وأكد مهاجري أن التبريرات الإدارية لهذا التعديل لا تعالج معاناة الأسر المتضررة، مشيراً إلى أن جزءاً كبيراً من العمال المسرحين يفتقرون إلى مظلة تأمين البطالة، إضافة إلى تضرر العاملين في قطاعي البناء والأنشطة الرقمية.
وشدد الكاتب على أن الصمود في زمن الحرب يتطلب من الحكومة توفير الدعم اللازم للشركات لمنع التسريح، محذراً من أن دفع المواطنين نحو البطالة يخدم أهداف العدو ويؤجج الاحتجاجات الاجتماعية، واختتم بالقول: " إن على أي مسؤول يرغب في تسريح الموظفين أن يبدأ بنفسه ويضع اسمه أولاً في قائمة التعديل".
وفي هذا السياق، أشار مهاجري إلى أن تدهور الوضع المعيشي لشرائح واسعة من المجتمع قد يؤدي إلى إضعاف الجبهة الداخلية، خاصة في ظل غياب بدائل اقتصادية واضحة للعمال الذين فقدوا مصادر دخلهم.
وسط هذه التحديات، يسعى قطاع الطاقة الإيراني إلى لعب دور محوري في دعم الاقتصاد، إذ أكد المدير العام للشركة الوطنية الإيرانية للنفط، حميد بورد، أن العمل مستمر لإعادة إعمار المنشآت المتضررة خلال العمليات العسكرية.
وأوضح بورد، خلال إحاطة أمام لجنة الطاقة في البرلمان الإيراني، أن قطاع النفط انتقل من مرحلة إدارة الأزمة خلال الحرب إلى مرحلة التعافي النشط، مشيراً إلى خطة مشتركة بين شركتي النفط والغاز للاستفادة من القدرات الهندسية والتقنية المحلية في عمليات الإصلاح.
وفي السياق ذاته، شدد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، اليوم الثلاثاء، خلال اجتماع مع مسؤولي وزارة التعاون والعمل والرفاه الاجتماعي، على ضرورة إدارة التداعيات الاقتصادية للحرب بشكل علمي وممنهج، مع التركيز على توفير فرص عمل مستدامة للمتضررين، وتعزيز برامج الدعم للفئات منخفضة الدخل.
وحسب موقع الرئاسة الإيرانية، شدد بزشكيان على أن تجاوز تبعات الحرب يتطلب تخطيطاً هيكلياً وبعيد المدى، داعياً إلى التحول من الاعتماد على صرف تأمينات البطالة وحدها إلى توفير فرص عمل مستقرة للذين فقدوا وظائفهم، مؤكداً أن التشغيل المستدام هو الأداة الأهم لضمان الأمن الاجتماعي وحفظ الكرامة الإنسانية.
كما دعا إلى دعم الوحدات الاقتصادية المتضررة وتسهيل عودة الوحدات شبه المتوقفة إلى النشاط، مع إعداد حزم دعم موجهة للحفاظ على الوظائف القائمة.
وفي سياق متصل، شدد الرئيس على إصلاح نمط الاستهلاك في المؤسسات الحكومية، معتبراً أن ترشيد استهلاك الماء والكهرباء والغاز وخفض النفقات غير الضرورية" ضرورة وطنية".
كما أكد مواصلة تنفيذ القسيمة الإلكترونية للسلع مع إعطاء الأولوية للشرائح ذات الدخل المنخفض، بما يضمن عدالة توزيع الموارد ومنع الهدر، مطالباً بتقارير دورية ومفصلة حول تقدم تنفيذ برامج الدعم والتشغيل والرفاه الاجتماعي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك