لم يكن حرص مصر على ضمان تحقيق استقرار المشهد السياسي والأمني في العراق وليد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، إذ سبقتها بأعوام كثيرة عدة إشارات من القيادة السياسية.
عام 2021 قام الرئيس عبدالفتاح السيسي بزيارة العراق مرتين خلال شهر، مشاركاً في القمة الثلاثية بين مصر والأردن والعراق، والثانية في مؤتمر بغداد للتعاون والشراكة، تم على أثرها توقيع اتفاقيات اقتصادية كثيرة بين البلدين، بالإضافة إلى تأكيد الرئيس عبدالفتاح السيسي مؤخراً لرئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال اتصال هاتفي جرى بينهما، الدعم المصري لعودة العراق إلى دوره كعامل توازن إقليمي بحكم موقعه الاستراتيجي، ما يُحتم ضرورة تحقيق الاستقرار الأمني والسياسي، العمل بجدية لحسم الآفات التي تُهدّد استقرار العراق، سواء كانت اعتداءات خارجية أو مغامرات بعض الكتل في الداخل.
أيضاً توالت الاتصالات بين القيادة السياسية ووزارة الخارجية المصرية ومسئولي الدولة العراقية، تأكيداً على رفض مصر تعرض العراق لاعتداءات بما يمس سيادة أرضه وإقحامه في حرب هو ليس طرفاً فيها.
العراق لم يخرج عن دائرة اهتمام الإدارة الأمريكية أيضاً ضماناً لمصالحها الاقتصادية والأمنية.
الضغوط الأمريكية قبل إعلان اسم رجل الأعمال علي الزيدي لتولى منصب رئاسة وزراء العراق من تجميد التعاون مع الأجهزة الأمنية والاستخبارية العراقية.
تعطيل وصول تحويلات الدولار من البنك الفيدرالي الأمريكي.
منذ البداية أعلن «ترامب» وضع فيتو على قرار الإطار التنسيقي الذي يُمثل المظلة الرئيسية لسلطة الإسلام الشيعي في العراق ترشيح نوري المالكي لتولي منصب رئاسة الوزارة.
توالت رسائل واضحة من «ترامب» وكبار مسئوليه أن أمريكا لن تسمح بوجود حكومة تتهاون مع الميليشيات المسلحة أو إشكالية حصر سلاح هذه المجموعات بيد الدولة.
وأن مراقبة المشهد السياسي العراقي ما زالت تُشكل أولوية للإدارة الأمريكية تحديداً في ظل الضبابية التي تُخيّم على أجواء الإقليم بين نجاح المفاوضات أو العودة للحرب.
تحديداً أن زيارة إسماعيل قاآني، قائد الحرس الثوري للعراق الشهر الماضي لم تخلُ من رسالة إلى الطرف الأمريكي حول توظيف النفوذ الإيراني في العراق، لتحسين موقفها التفاوضي.
ارتياح ترامب لاختيار الزيدي أيضاً جاء لقرب الأخير من اهتمامات ترامب باعتباره رجل أعمال، لتتأكد الرسالة إثر مكالمة التهنئة التي جرت بين ترامب والزيدي ودعوته إلى زيارة أمريكا.
المخاض السياسي الجديد في العراق حتى بعد منح البرلمان الثقة لحكومة الزيدي ما زال يواجه تحديات تُشكل عوائق.
أولاً بعد إعلان الزيدي إصلاح المنظومة الأمنية والعمل على حصر السلاح بيد الدولة بادرت ميليشيات إلى التصريح بأن فقرة «حصر السلاح» التي تضمّنها منهج الحكومة الجديدة لا تشمل «المقاومة»، معلنة رفضها تسليم سلاحها.
خلافاً لهدف الضغوط الأمريكية التي مُورست لتأكيد أن أمريكا ما زال لها اليد العليا في حسم ملامح المشهد.
ثانياً الزيدي بعد نجاحه في تشكيل الحكومة أمامه حسم عدة ملفات معقّدة.
عدم السماح بتهريب الأموال إلى إيران، مكافحة الفساد وغسيل الأموال، حسم قضية النفوذ السياسي وتسليح الميليشيات.
معلومات سيرة الزيدي الذاتية تؤكد أنه جاء من خارج النمط التقليدي السياسي العراقي.
هو لا ينتمي إلى حزب أو كتلة سياسية.
قوة الرجل الاقتصادية أيضاً تتيح له أن يُشكل نقطة التقاء بين أطراف متباينة ما زال كل منها يبحث عن نصيب الأسد في التشكيل الوزاري الجديد.
في ظل الوضع الاقتصادي المتدهور في العراق، سواء نتيجة انخفاض أسعار النفط قبل حرب 7 أكتوبر، أو نتيجة تداعياتها وإغلاق مضيق هرمز الذي أدى إلى انخفاض صادرات العراق من النفط بنسبة تصل إلى 90%، هناك تحدٍّ آخر لقياس نجاح قوة الخلفية الاقتصادية التي تسردها السيرة الذاتية للزيدي.
وسياسياً ما زال الشارع العراقي متأرجحاً بين اتجاهات متفائلة وأخرى تميل إلى التشكيك في جدوى تأثير أي تغيير سياسي.
يبقى الرهان على الزيدي مرتبطاً بقدرته على إدارة حكومة متوازنة سياسياً لا تخضع لسيطرة طرف محدّد، حكومة مركزية قوية قادرة على فرض سيادة الدولة على كامل أراضيها، بما في ذلك ضبط السلاح خارج إطار المؤسسات الأمنية الرسمية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك