يرى أدونيس في مشروعه «الثابت والمتحول» أن الإبداع أو التحول كان كامناً في الحركات الثورية والفكرية والشعرية.
وفيما يخص الأولى، يحدد بدايتها في نواة معارضة السلطة التي نشأت في عهد الخليفة عثمان بن عفان، على أيدي المحرومين والمبعدين.
وفي المقابل نشأت نواة من المدافعين عن السلطة من بين المنتفعين منها.
ومن هنا برز حضور السياسة في حياة المسلمين، أكثر من أي وقت مضى.
وغذت الأوضاع الاقتصادية هذا الحضور، حيث انقسم المجتمع إلى فئتين، مستغلة تقف إلى جانب الحكم، ومستغلة يقصيها هذا الحكم، فلا تجد مفراً من مناهضته.
وهنا برز اتجاهان، الأول يتخذ من القرشية والسنة والجماعة أساساً مطلقاً، والثاني يتلمس مصالح الناس وحاجاتهم أساساً، دون أن يهمل السنة والقرشية، لكنها ترى أن الأحقية لا تنبع من مجرد اتباع السنة، أو من مجرد القرشية، وإنما من تفهم حاجات الناس، والسعي إلى الحكم بالعدل.
واستمر هذا الزخم، فازداد جهد أبي ذر الغفاري في مناهضة التفاوت، والانتصار لإنسانية الإنسان، فكان هو، في رأي أدونيس، الذي «وضع اللبنة الأولى في بناء العدالة والمساواة بناء نظرياً، ومن هذه الناحية كانت مواقفه وآراؤه بذرة تفتحت عن الحركة الثورية من جهة، وعن الحركة التأويلية العقلية، من جهة ثانية».
ونشأ الخوارج فشككوا في نظرية الإمامة أو الخلافة، سواء من ناحية القرشية أو الطاعة.
ووضعوا بدلاً من ذلك نظرية خلع الإمام الجائر، واستعاضوا عن مبدأ القرشية بالجدارة، وساووا بين المسلمين كافة في تولي الإمامة.
وجاء علي ابن أبي طالب ليشدد على «الجهد والطاقة» في متابعة القرآن والسنة، ولم يعط اهتماماً للنسب القرشي، وأكد على مبدأ المبايعة العلنية، ورفض الالتزام الحرفي بما فعله أبوبكر الصديق وعمر بن الخطاب.
ووفرت الحركات الثورية التي أخذت تنشأ منذ السنة الأربعين للهجرة فرصة قوية لظهور العديد من عناصر «التحول»، حيث لم تتوقف الجماعات التي عارضت حكم بني أمية، والتي كان رموزها على الترتيب التاريخي، سليمان بن صرد، وقيس بن سعد بن عبادة، وحجر بن عدي، ومختار الثقفي، وصالح بن مسرح التميمي، ومطرف بن المغيرة، وعبدالرحمن بن الأشعث، وزيد بن علي بن الحسين، والحارث بن سريج، وأبوحمزة الخارجي، وأخيراً أبومسلم الخراساني، الذي على يديه جاء بنو العباس إلى الحكم.
وكان «مقتل الحسين بن علي مرحلة حاسمة انتقلت فيها المعارضة من النظر إلى العمل».
ومن الأمور التي يجب ذكرها في هذا المقام أن هذه الحركات جميعها، كانت تنادي بالعودة إلى صحيح الدين الإسلامي، لمقاومة طغيان بني أمية، وإقامة العدل الاجتماعي.
وكان كل يحرص على أن يبدو أنه الأشد تمسكاً بالسنة والجماعة، والأكثر بعداً عن البدع.
وكرست هذه الحركات مبدأ مفاده أن نقد المجتمع وتغييره لا يمكن أن يتم إلا بالممارسة العملية الثورية، وفي هذا كانت هي بمثابة نفي السائد، والتطلع إلى ما هو أفضل، ورفعت من منزلة التحقيق على حساب التبشير في الرؤية الإسلامية، ومن هنا أصبحت كيفية تحقق الدين، أي كيف يتحقق الإنسان، الذي نادى به الدين؟ هي التساؤل الذي أخذ يشغل الناس.
وبالتوازي مع النزاع في المجال السياسي، وما يتصل به، نشأ نزاع في المعاني، وما يرتبط بها، ورافقت الحركات الثورية حركات فكرية.
فالخوارج قرنوا النظر بالممارسة، ووحدوا بين الإيمان والعمل.
والمرجئة نادوا بأن يكون الحكم على الإنسان أو له، وعلى العالم أو له، لله وحده، وليس للإنسان، الأمر الذي يعني ضرورة التخلي عن الجدل حول تحديد المؤمن والكافر، وتوجيه الناس إلى الاهتمام بشئون الحياة اليومية.
وكان هذا يعني، بالنسبة لأدونيس، ثورة على ما أسماه «الإسلام الشكلي والظاهري».
وظهر مناهضو الجبرية، التي استند إليها نظام الحكم الأموي ليسوغ استبداده.
وفيما أكد الحسن البصري على حرية الإنسان، نشأت في مناخ التشيع «نظرية الإمامة»، التي استعاضت عن القياس والرأي بعلم الإمام، الذي هو في نظرهم علم لدني يقوم على التأويل وقراءة الباطن وما في الآفاق والأنفس، مما يرشح الإمام، في نظرهم، للولاية، التي تعني سياسة الدنيا، بتفويض إلهي لا يجعل الإمام مستقلاً تماماً، لكنه معصوم من الخطأ.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك