الرباط – «القدس العربي»: عاد النائب البرلماني عن حزب «الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية» المعارض في المغرب، إدريس الشطيبي، خلال ترؤسه لجلسة مجلس النواب (الغرفة الأولى للبرلمان المغربي) الإثنين، إلى مهاجمة نواب حزب «العدالة والتنمية»، حيث أضاف إلى وصفهم السابق بـ «الشيوعيين» تهمة «التشيع» أيضا.
هذه الواقعة التي جعلت جلسة الأسئلة الشفهية تصنف كواحدة من أكثر الجلسات سخونة وملاسنات خلال هذه الولاية التشريعية، أثارت «زوبعة» سياسية وإعلامية كبرى، نظرا لـ»خطورة» الاتهامات الصادرة عن رئيس الجلسة وسياقها السياسي.
وفي التفاصيل، خرج البرلماني الشطيبي أثناء تسييره للجلسة عن حياده المفترض قانونا، وذلك إثر مشادات كلامية مع نواب «العدالة والتنمية» حول نقطة نظام، حيث وجّه اتهاما مباشرا ومكررا لنواب الحزب الإسلامي بأنهم تجمع من «الشيعة والشيوعيين»، وهو ما اعتبره النواب المعنيون «قذفا وتكفيرا سياسيا» غير مقبول.
وكما حدث في جلسة سابقة، بدأ السجال كمشادة عادية حول إدارة وقت المداخلات وتسيير النقاش، لكن الأمور سرعان ما خرجت عن السيطرة عندما أصر رئيس الجلسة المنتمي لـ «الاتحاد الاشتراكي» على مواجهة احتجاجات نواب المعارضة بخطاب هجومي حاد.
ووفقا لما دار في القاعة، وتوثيقات الفيديو للنقل التلفزيوني المباشر، تلخصت كلمات رئيس الجلسة في مخاطبة النواب المحتجين من مقاعدهم قائلا: «أنتم شيعة وشيوعيون».
وعندما تعالت الاحتجاجات وطالبه النواب بسحب العبارة فورا والاعتذار، أصر على موقفه ورفض السحب، بل أعاد تكرار العبارة بصيغ تأكيدية، معتبرا أن سلوكهم في المعارضة يشبه أساليب «الشيوعيين» في فرض الرأي الواحد، و»الشيعة» في الولاءات.
في المقابل، شدد نواب «العدالة والتنمية» على أنهم «مغاربة وسنة»، معتبرين لجوء رئيس الجلسة (الاتحادي اليساري تاريخيا) لاستخدام تهمة «الشيوعية» كشتيمة، وفي الوقت نفسه رمي حزب إسلامي بتهمة «التشيع»، تخبطا سياسيا ومحاولة لربطهم بالولاء لإيران.
هذه الكلمات أحدثت هزة عنيفة داخل البرلمان تحولت معها القاعة فورا إلى حلبة من الصراخ والاحتجاج العارم، قبل أن تمتد شظاياها إلى المشهد السياسي.
وقد طالب نواب «العدالة والتنمية» بنقط نظام مشددين على أن رئيس الجلسة خرق الدستور والنظام الداخلي للمجلس اللذين يفرضان عليه الحياد التام والوقوف على مسافة واحدة من الجميع، واعتبروا أن اتهام حزبهم بـ «التشيع والشيوعية» بمثابة «تكفير سياسي» صريح ومحاولة لتشويه هويتهم الوطنية والدينية أمام الرأي العام.
خارج أسوار البرلمان، أثارت الواقعة موجة من التهكم والسخرية على منصات التواصل الاجتماعي، حيث ركز المدونون على التناقض الصارخ في الجمع بين «الشيعة والشيوعية» في تهمة واحدة لحزب إسلامي، معتبرين أن الصراع الحزبي في المغرب وصل إلى مستوى متدن من النقاش، في وقت ارتفعت فيه موجة الاستنكار من طرف أسماء سياسية وحقوقية وإعلامية عبر تدوينات عديدة، خاصة أن الواقعة شهدتها الجلسة نفسها التي عاشت على وقع جدل «خروف الألف درهم» (100 دولار).
في هذا السياق، قدم الصحافي سمير شوقي، الذي أعلن ترشحه للانتخابات التشريعية المقبلة باسم «العدالة والتنمية»، قراءة سياسية نقدية لاذعة، مؤكدا أن ما حدث لم يكن مجرد ملاسنات عفوية، بل كان «تواطؤا» لإنقاذ وزير الفلاحة (الزراعة) وتشتيت الانتباه عن الأزمة الحقيقية.
واتهم شوقي، في تدوينة على «فيسبوك»، الحكومة وأغلبيتها بالتنسيق مع «جزء» من المعارضة لتهريب النقاش الحقيقي حول الأسعار وحماية الوزير بعد أن وجد نفسه في «فوهة مدفع» الانتقادات بسبب تصريحه المثيل للجدل حول وجود أضاح بـ 1000 درهم (100 دولار).
وعبر شوقي عن أسفه الشديد لكون رئيس الجلسة المنتمي لحزب معارض (الاتحاد الاشتراكي) هو مَن تولّى مهمة تحويل مسار النقاش، ليلعب دور «الوكيل» الذي يدافع عن الوزير ويمنحه فرصة للراحة وسط الصخب، مؤكدا أن هذه المحاولات غالبا ما تأتي بنتائج عكسية أمام وعي المواطنين.
ووصف علي فضيلي، الباحث في الدراسات السياسية والدولية، السلوك بـ «الفضيحة الكارثية» التي تضرب هيبة المؤسسة التشريعية، مستنكرا الصدمة المعرفية والتاريخية بأن يسقط برلماني مخضرم ينتمي لحزب «الاتحاد الاشتراكي» العريق في فخ إطلاق تهم «التشيع والشيوعية» كشتائم، معتبرا إياه امتدادا لنماذج التحكم السياسي وهندسة إدريس البصري القديمة (وزير الداخلية في عهد الملك الراحل الحسن الثاني).
واعتبرت القيادية في «العدالة والتنمية»، أمينة ماء العينين، أن «الهجوم الهستيري» لرئيس الجلسة وفقدانه للتوازن النفسي لا يسيء إلى الحزب بل هو فخر له، معبرة في تدوينة لها عن حسرتها على واقع المؤسسة التشريعية التي بات يعتلي منصة رئاستها من لا يقدر حجم المسؤولية الدستورية والأخلاقية، واصفة تكرار هذا السلوك بـ «الرياضة البائسة» التي تسيء إلى صورة الوطن داخلياً وخارجياً، ومشددة (من واقع تجربتها السابقة في رئاسة الجلسات) على أن كرسي الرئاسة يفرض الحياد التام وليس مطية لتصريف «الأحقاد الشخصية»، وفق تعبيرها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك