ساهم مصادم الهدرونات الكبير التابع لسيرن، في تغيير فهم العلماء والعالمات للكون.
واليوم، يسعى المركز إلى بناء مصادم أكبر بكثير يحظى بدعم واسع داخل الأوساط العلمية.
لأكثر من 70 عامًا، ظلَّ مركز سيرن البحثي، قرب جنيف، أبرز المراكز العالمية المتخصّصة في فيزياء الجسيمات.
ويقوم على تعاون بين 25 دولة عضو، و10 دول منتسبة، وجهات مراقبة كالولايات المّتحدة، والاتحاد الأوروبي.
كما يستند إلى فكرة أساسية مفادها أن بعض الأسئلة العلمية أكبر من إجابة دولة بمفردها عنها.
ومن أمثلتها، مم يتكوّن الكون؟ ولماذا توجد المادة أصلًا؟ وماذا حدث في اللحظات الأولى بعد الانفجار العظيم؟وفي عام 2012، أثبتت هذه الفكرة جدواها.
فقد أعلن علماء، وعالمات، يعملون في مصادم الهادرونات الكبير، التابع لسيرن، اكتشاف بوزون هيغز، أو “جسيم الإله”، المانح لأصغر اللّبنات التي تكوّن كتلتُها الكون.
وتقول فابيولا جيانوتي، المديرة العامة لسيرن على مدى عشر سنوات حتى يناير من هذا العام: “لولا بوزون هيغز، لما كنا هنا”.
لكن بقدر ما قدّم من إجابات، أثار هذا الاكتشاف أسئلة.
ومع اقتراب مصادم الهدرونات الكبير من حدود قدرته العلمية، يخطّط سيرن لأكبر خطوة في تاريخه حتى الآن.
وذلك عبر بناء مصادم جديد للجسيمات يبلغ حجمه نحو أربعة أضعاف المصادم الحالي، على عمق 200 متر تحت الأرض.
ويمتدّ أسفل بحيرة جنيف، ونهر الرون.
ويحمل المشروع اسم المصادم الدائري المستقبلي (FCC).
ومن المتوقع بداية تشغيله خلال أربعينات هذا القرن، ليصبح أكبر منشأة علمية في التاريخ، وربما أهمها أيضًا، بحسب مؤيديه ومؤيداته.
وتُقدّر كلفة بنائه بنحو 15 مليار فرنك سويسري (19 مليار دولار).
فيما يتمثّل التحدّي الأكبر أمامه حاليًّا، في تأمين هذا التمويل وسط ظروف جيوسياسية مضطربة.
وتقول ماريا سبيروبولو، الباحثة المتعاونة معه وتعمل في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا: “يكتسي مشروع المصادم الدائري المستقبلي أهمية بالغة لفيزياء الجسيمات.
وإذا كانت هناك جهة قادرة على تنفيذه، فهي سيرن”.
ويقول مارك تومسون، الفيزيائي البريطاني والمدير العام الجديد لسيرن منذ يناير الماضي: “عندما أقدّم محاضرات عامة، أختار دائمًا ثمانية من أبرز الأسئلة المفتوحة في فيزياء الجسيمات، ويكون نصفها تقريبًا مرتبطًا ببوزون هيغز”.
ويسعى تومسون إلى فهم سبب اختلاف كتل الجسيمات الأساسية الاثني عشر المعروفة، وما إذا كان ينبغي اعتبار بوزون هيغز نفسه جسيمًا أساسيًا.
وهي أسئلة لا يستطيع مصادم الهادرونات الكبير الحالي الإجابة عنها بالدقة المطلوبة.
وفي الأثناء، يهتمّ علماء، وعالمات، آخرون بأسئلة أكثر تعقيدًا تتعلق ببنية الكون نفسها.
ومنهم بن كيلمينستر، الباحث في فيزياء الجسيمات بجامعة زيورخ، المركِّز على دراسة المادّة المظلمة.
فيقول: “من المحرج قليلًا القول إن لدينا نموذجًا يفسّر جميع الجسيمات المعروفة في الكون، في حين لا نعرف ممّ يتكوّن نحو 80 إلى 85% منه”.
وهناك أيضًا لغز إنتاج انفجار المادّة العظيم بكميات أكثر من المادة المضادّة.
ويقول كيلمينستر: “يمكن للمصادم المستقبلي المساعدة على الإجابة عن أكبر عدد من الأسئلة العلمية المفتوحة، عبر تجارب مستقلة”.
أعظم آلة بنتها يد الإنسان؟ شاهد.
ي الفيديو الذي أعددناه عن “المصادم الدائري المستقبلي”:وفي مرحلته الأولى، سيعمل المصادم الدائري المستقبلي كمركز مخصّص لإنتاج كميات كبيرة من بوزون هيغز في ظروف دقيقة ومحكومة، فيما يصفه علماء الفيزياء بـ “مصنع هيغز”.
وستدور الإلكترونات، والبوزيترونات، داخل حلقة جديدة يبلغ محيطها 90، 7 كيلومترًا، أي أكثر من ثلاثة أضعاف طول مصادم الهدرونات الكبير الحالي، على عمق يصل إلى 200 متر تحت الأرض.
ويقول تومسون: “يتمثّل الهدف الرئيسي من المصادم الدائري المستقبلي في دراسة بوزون هيغز بدقة أكبر، واستخدامه لفهم جوانب من الكون ما تزال غير مفهومة حتىّ الآن”.
وفي مرحلة ثانية قد تبدأ خلال سبعينات هذا القرن، سيضم النفق نفسه مصادمَ بروتونات قادرًا على دفع الجسيمات إلى التصادم بطاقة تفوق تلك المستخدمة في مصادم الهدرونات الكبير الحالي، بنحو 10 مرّات.
ومن شأن هذه المنشأة الجديدة اختبار حدود النظريات العلمية الحالية، وربما المساعدة في اكتشاف جسيمات جديدة أكبر كتلة.
ويقول كيلمينستر: “قد يصبح إنتاج جسيمات تبلغ كتلتها نحو 10 أضعاف الجسيمات المعروفة حاليًّا ممكنًا”.
وأكّدت دراسة جدوى أعدها 1، 500 خبير وخبيرة، ووافق عليها مجلس سيرن، وجود مبررات علمية قوية للمشروع.
وتناولت الدراسة الأهداف العلمية للمركز، والبنية الجيولوجية للمنطقة، إلى جانب تكاليف المصادم الجديد، وتأثيراته البيئية.
وبدورها، وصفته المجموعة الأوروبية للاستراتيجية العلمية، التي يعيّنها سيرن وتضمّ عددًا من أبرز علماء فيزياء الجسيمات في أوروبا، بتوفير “أوسع برنامج عالمي لفيزياء الجسيمات عالية الدقّة، مع قدرات كبيرة على تحقيق اكتشافات جديدة”.
ويضيف تومسون: “درسنا جميع الخيارات المتاحة، واتضح أن المصادم الدائري المستقبلي هو الخيار المفضل من الناحية العلمية”.
>> الجانب المالي من المصادم الدائري المستقبلي أكثر تعقيدًا حتى من جانبه العلمي.
اقرأ.
ي المزيد:مشروع سيرن بميزانية 19مليار دولار: هل ينجح وسط عالم يزداد اضطرابًا؟تم نشر هذا المحتوى على يحظى مشروع سيرن لبناء المصادم الدائري المستقبلي بإجماع داخل الأوساط العلمية.
لكن تأمين التمويل اللازم له لا يزال غير محسوم.
طالع المزيدمشروع سيرن بميزانية 19مليار دولار: هل ينجح وسط عالم يزداد اضطرابًا؟ورغم رسوخ الإجماع العلمي الداعم للمصادم الدائري المستقبلي، لا يزال الجدل السياسي والاجتماعي حوله مستمرًّا، في ظل عدم تأمين التمويل اللازم البالغ 15 مليار فرنك سويسري، إلى جانب تصاعد المعارضة المحلية للمشروع.
وبقيادة مجموعة نويه 21 (Noé21) ومقرها جنيف، أطلقت شبكة من الجمعيات السويسرية والفرنسية ضدّه حملة متواصلة.
ويستهلك سيرن حاليًّا نحو ثلث الكهرباء المستخدمة في كانتون جنيف بأكمله.
وأمَّا أعمال البناء، فقد تخلّف قرابة 8 ملايين متر مكعّب من نواتج الحفر.
ويقول جان برنار بيليتر، عضو مجلس إدارة نويه 21، “أتفهّم احتياجات سيرن.
ولكن، لا يعني ذلك أن علينا قبول مشروع قد يكلّف عشرات المليارات، وقد يترك آثارًا بيئية في المنطقة لسنوات طويلة”.
من جانبه، يقرّ تومسون بعدم نجاح سيرن بعد في إقناع الجميع بالمشروع، بشكل كامل.
ويقول: “علينا إثبات قدرتنا على بناء هذا المشروع بطريقة تراعي المسؤولية البيئية”.
وعلاوة على ذلك، يشير العلماء إلى تجاوز تأثير الاكتشافات المتحقّقة في سيرن حدود المختبرات العلمية.
ففيه، اختُرعت شبكة الويب العالمية.
كما أسهمت مسرّعات الجسيمات في ظهور أجهزة العلاج الإشعاعي المستخدمة في علاج السرطان.
واليوم، تُعدّ مصادر ضوء السنكروترون عالية الطاقة، المُطوَّرة فيه، أدوات أساسية لتحليل مواد جديدة، وتطوير أدوية حديثة.
ومن المتوقع إسهام مرحلة المصادم المستقبلي الثانية في تطوير الموصلات الفائقة عالية الحرارة، المستخدمة في المغانط ذات المجالات القوية.
وهي تقنيات لها تطبيقات مباشرة في التصوير الطبي، وطاقة الاندماج.
ويقول تومسون: “في فيزياء الجسيمات، نحاول دائمًا تحقيق ما يبدو شبه مستحيل.
وخلال ذلك، نطوّر تقنيات تدفع حدود الممكن.
وفي النهاية، تظهر تطبيقات وفوائد، لم يكن توقُّعها مسبقًا ممكنًا”.
تحرير: غابي بولارد وفيرونيكا دي فور.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك