قرأتُ باهتمام المقالة المنشورة في جريدة البلاد حول «المسار الحدائقي لبلغريف» للكاتب المبدع د.
محمد الزكري.
وفي تقديري، لم تكن المقالة مجرد سرد تاريخي لتحولات المنامة العمرانية، بل كانت تنقيباً في النظرية الثقافية للمكان، واستنطاقاً لروح الهوية الحضرية التي تشكلت عبر المساحات الخضراء.
وكما عهدنا جريدة البلاد دائماً، فهي تطرح مقالات عميقة تفتح أمام القارئ آفاقاً أرحب للتأمل والتفكير.
إن هذا الطرح يفتح الباب أمام تساؤل جوهري حول علاقة الإنسان بالمكان؛ فالمكان، سواء كان حديقة أو شارعاً أو مبنى، ليس مجرد حيز مادي أو إحداثيات جغرافية، بل هو وعاء للذاكرة ومرسى للروح.
وفي هذا السياق، تبرز تجربة تشارلز بلغريف ليس بوصفها فعلاً استعمارياً سياسياً فحسب، بل باعتبارها رؤية جمالية أدركت مبكراً أن أنسنة المدن تمر عبر الخضرة والماء.
حين نستذكر «حديقة القفول المائية»، فإننا لا نستحضر مجرد مشروع لتجفيف المستنقعات، بل نستعيد ملاذاً سكن وجدان العائلات البحرينية لعقود طويلة.
كانت تلك الحديقة، بأشجارها العتيقة ونخيلها الباسق، شاهداً على صورة البحرين الكبيرة.
ولم تكن أشجار السدر والبمبر والصبار مجرد كائنات بيولوجية، بل شركاء في الذاكرة؛ تحت ظلالها لعب الأطفال في الأعياد، وعلى أسيابها نُقشت ذكريات جيل كامل.
لقد كانت خزاناً للذاكرة الجمعية، عشتُ فيه جزءاً من طفولتي، ثم امتدت تلك الذاكرة إلى أبنائي قبل أفول النسخة الأصلية القديمة من الحديقة.
وما يثير الشجن اليوم، في ضوء المسارات التي تناولتها المقالة، أن عمليات التطوير الحديثة — والحديقة المائية نموذجاً — أصبحت تمارس أحياناً نوعاً من المحو الثقافي غير المقصود.
ففي محاولات إعادة تأهيل الحدائق التاريخية، كثيراً ما نفقد الروح القديمة لصالح قوالب إسمنتية باردة وتصاميم حديثة تفتقر إلى الألفة والحميمية.
وحين تغيب النخلة القديمة والسدرة المثمرة، وتُستبدل بجماليات جافة، يتسلل إلينا شعور بالاغتراب المكاني، فنطرح سؤالاً مؤلماً: هل كان بلغريف، برؤيته التي مزجت بين الحداثة والبيئة المحلية، سيرضى عن هذا التحول الذي جعلنا غرباء في الأماكن التي ألفناها؟إن التأكيد على ضرورة إحياء «المسار الحدائقي» ليس مجرد حنين إلى الماضي، بل هو دعوة لاستعادة الألفة المفقودة.
فثمة حاجة إلى رؤية سياحية وثقافية تعيد الاعتبار لروح الإنسان في المكان؛ فالحدائق ليست مجرد مساحات خضراء، بل فضاءات للبهجة ومستودعات للسكينة والطمأنينة.
إن الإشادة بالمنطق الجمالي لدى بلغريف ليست امتناناً للمستعمر، بل انحيازاً للقيم التي تحترم البيئة وتجعل من المدينة مكاناً قابلاً للحب والعيش.
فالحضارة، في جوهرها، هي القدرة على إبقاء خيوط الذاكرة مشدودة بين الماضي والحاضر، حتى لا يتحول العمران إلى جدران تعزل الإنسان عن ذاته وتاريخه.
وأخيراً، فإن «حديقة قصاري» أو «عين قصاري» كانت — على ما أظن — المكان الذي تقع فيه عين بوزيدان بمنطقة السهلة، قبل أن تُغلق منذ نحو عشرين عاماً.
وكما عهدنا من جريدة البلاد، فهي دائماً تشغل القارئ بمقالات تحمل أسئلة عميقة ورؤى مختلفة.
وعندما تكتب عن السياحة، أرى أن هذا الكاتب يتغلغل بطريقة لافتة في صميم الثقافة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك