في ظل التحولات العالمية في مفهوم السياحة، لم تعد الرحلات تُبنى فقط على زيارة الأماكن التاريخية أو الشواطئ، بل باتت التجارب الثقافية والفنية أحد أهم محركات السفر الحديث.
وفي هذا السياق، تبرز تجربة الموسيقي الألماني من أصول مصرية باسم درويش بوصفها نموذجًا حيًا على كيفية تحوّل الموسيقى إلى قوة ناعمة قادرة على جذب الزوار وتعزيز مكانة المدن المستضيفة على خريطة السياحة الثقافية العالمية.
يقدّم درويش، مؤسس مشروع Cairo Steps، تجربة فنية تتجاوز حدود الحفلات التقليدية، حيث تتحول العروض إلى مقصد سياحي بحد ذاته، يقصده جمهور من مختلف الدول خصيصًا من أجل حضور هذه الحالة الموسيقية الفريدة التي تمزج بين التصوف والجاز والموروث الشرقي في صياغة معاصرة.
وتكتسب هذه النوعية من الفعاليات أهمية متزايدة في قطاع السياحة الثقافية، إذ لم تعد الحفلات مجرد نشاط ترفيهي، بل أصبحت عنصر جذب رئيسي يسهم في تحفيز حركة السفر الدولي، وزيادة نسب الإشغال الفندقي، وتنشيط قطاعات الضيافة والخدمات.
فالجمهور الذي يحضر هذه العروض غالبًا ما يسافر لمسافات طويلة، ما يجعل من الحدث الفني محركًا اقتصاديًا مباشرًا يتجاوز قيمته الثقافية.
تمثل تجربة “الأوبرا الصوفية” التي يقدمها باسم درويش حالة موسيقية وثقافية تحظى باهتمام واسع في الأوساط الأوروبية والعربية، حيث يُنظر إليه كأحد أبرز الموسيقيين العرب الألمان الذين أسهموا في صياغة خطاب موسيقي عابر للثقافات.
وقد حظيت أعماله بتقدير رسمي في ألمانيا، حيث مُنح تكريمًا رفيعًا تقديرًا لإسهاماته في المشهد الثقافي والموسيقي.
تُعدّ مثل هذه الفعاليات الموسيقية العابرة للثقافات، التي تجمع بين التصوف والجاز والموروثات المحلية والعالمية، رافعةً مهمة لتعزيز السياحة الثقافية، إذ تتحول الحفلات من مجرد عروض فنية إلى تجارب حضورية تستقطب الزوار من مختلف الدول.
فالجمهور لا يأتي فقط للاستماع إلى الموسيقى، بل يسافر خصيصًا لاختبار هذا التلاقي الفريد بين الفن والهوية والمكان، ما ينعكس مباشرة على تنشيط حركة السفر والإقامة والخدمات السياحية.
كما تسهم هذه الأحداث في ترسيخ صورة المدن المستضيفة كمساحات حية للإبداع والانفتاح الثقافي، وتمنحها حضورًا دوليًا يتجاوز حدودها الجغرافية، لتصبح جزءًا من خريطة السياحة الثقافية العالمية القائمة على التجربة والمعنى لا على المشاهدة فقط.
الرئيس الألماني يكرم الفنان من أصول مصرية السيد باسم درويشوتحظى حفلاته بإقبال كبير، إذ تُباع تذاكرها قبل أشهر من موعدها، كما يحرص عشاق هذا اللون الفني على السفر من مختلف أنحاء العالم لحضور عروضه، لما تحمله من عمق روحي وموسيقي يجمع بين الأصالة والمعاصرة، ويحوّل الحفل إلى تجربة تأملية تتجاوز حدود الترفيه إلى فضاء من المعنى.
وفي سياق دعم هذا الحضور الثقافي، شهدت مسيرته محطة بارزة خلال زيارة الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير إلى مصر، حيث تم تكريمه في حضور الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ضمن زيارة وُصفت بالتاريخية كونها أول زيارة رسمية لرئيس ألماني إلى مصر منذ نحو 25 عامًا.
وقد تم تقديمه رسميًا أمام الحضور ووسائل الإعلام، والإشارة إلى دوره في تعزيز التبادل الثقافي بين مصر وألمانيا، وإلى إسهاماته في بناء جسر فني بين الضفتين.
وجاء هذا التقدير امتدادًا لمسيرة تمتد لأكثر من ربع قرن، ارتبط خلالها باسم درويش بمشاريع موسيقية عابرة للحدود، من بينها فرقة “كايرو ستيبس”، التي قدّمت رؤية حديثة تمزج بين الجاز والموروث الشرقي في قالب معاصر، يعيد تعريف مفهوم الهوية الموسيقية بوصفها حالة مفتوحة لا نهائية.
في تجربته الفنية، لا يبقى العود مجرد آلة تقليدية محمّلة بتاريخ طويل من الطرب والانتماء، بل يتحول إلى كائن حي قابل للتشكل والتجدد.
في يديه، لا يظل العود أسير المقام، بل ينفتح على فضاءات الجاز، حيث الحرية هي القانون الأساسي، وحيث الخطأ المحتمل قد يتحول إلى لحظة جمال غير متوقعة.
ما يميز مشروع درويش ليس فقط المزج بين الجاز والموسيقى الشرقية، بل قدرته على خلق حوار داخلي حي بينهما.
فهو لا يضيف الجاز إلى العود، ولا يزيّن الجاز بنكهة شرقية، بل يسمح لكل طرف بأن يعيد تشكيل الآخر.
والنتيجة ليست خليطًا موسيقيًا، بل هوية ثالثة، موسيقى لا تنتمي بالكامل إلى أي من الطرفين، ومع ذلك تبدو صادقة ومتماسكة.
ومن أبرز أعماله مع مشروع Cairo Steps، مشاركته في قطعة" Yamaleka Qadri" المستوحاة من Gnossienne للمؤلف Erik Satie، والتي قُدمت بصوت الشيخ إيهاب يونس ضمن إطار صوفي معاصر.
في ارتجالاته المازجة بين آلات الموسيقى، تخرج أصوات مبتدعة تضع المستمع في حالة من البحث المستمر، من التردد الجميل، من السؤال المفتوح.
وكأن الموسيقى لا تدّعي الوصول، بل تحتفي بالطريق ذاته.
وهذا ما يجعل تجربته قريبة من روح الجاز الحقيقية، ذلك الفن الذي يرى في اللايقين مساحة خصبة للإبداع لا نقصًا يجب تجاوزه.
إن تجربة باسم درويش لا تقوم على تقديم موسيقى للترفيه السريع، بل على الدعوة إلى الإصغاء العميق، وإلى التباطؤ، وإلى الدخول في تجربة حسية وفكرية في آن واحد.
موسيقاه لا تُستهلك، بل تُعاش.
وبذلك، لا يمكن اختزال باسم درويش في كونه عازف جاز أو عازف عود فقط، بل هو حالة بحث مستمرة، وتجربة مفتوحة، وصوت يحاول، بتواضع وعمق، أن يقول شيئًا جديدًا… بلغة قديمة تعود لتولد من جديد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك