صنعاء ـ «القدس العربي»: باشرت نيابة الأموال العامة في عدن تحقيقًا رسميًا في صفقة تنظيف أرضية مطار عدن الدولي وكلفة فاتورتها البالغة مليونين ونصف المليون دولار، والتي سادت على إثرها حالة من الغضب والاستهجان الشديدين بين اليمنيين على منصات التواصل.
وكان وزير النقل في الحكومة اليمنيّة المعترف بها دوليًا، محسن حيدرة، قد أصدر قرارًا وزاريًا يقضي بتشكيل لجنة تحقيق رسمية من وزارة النقل والهيئة العامة للطيران المدني ومطار عدن الدولي لبحث ملابسات القضية، وسط انتقادات لمبلغ الفاتورة ومطالبات بمحاسبة المتورطين.
ووصف مدونون الواقعة بأنها «فساد يرقص على الخراب» في وقت تعاني فيه البلاد من أزمات اقتصادية خانقة وتدهور في الخدمات الأساسية والكهرباء، بعد أكثر من عقد من الحرب العبثية.
ويرى مراقبون أن المشكلة تتجاوز فكرة «فاتورة مُبالغ فيها»، بقدر ما تعكس الواقع المعقّد والمأزق الذي تعيشه مؤسسات الدولة في اليمن حالياً.
وطبقًا لخبراء ونشطاء على منصات التواصل، فإن المبلغ المطلوب يُعادل بالعملة المحلية في عدن أكثر من 4 مليارات ريال يمنيّ، وهو مبلغ يكفي لإنشاء مبانٍ أو مطار مصغر جديد، وليس مجرد أعمال كنس وغسيل وتنظيف.
وفقاً لما تم تداوله من وثائق، فإن القضية تعود في الأصل إلى أعمال نُفذت في أشهر سابقة (بالأمر المباشر من دون مناقصة) عقب بعض الأضرار التي لحقت بالمطار، لكن المقاول تقدم مؤخراً بالفاتورة النهائية مقابل «غسل وتنظيف المدرج والأرضيات».
أي أن القضية تعود إلى فترة وزير النقل السابق، عبد السلام صالح حُميد، وهو قيادي بارز في المجلس الانتقالي الجنوبي الانفصالي المنحل، وكان محسوبا عليه ضمن الحصص السياسية في تشكيل الحكومة السابق.
وكتب رئيس تحرير صحيفة «عدن الغد»، فتحي بن لزرق، على منصة إكس، في تعليق ساخر: «يا رجال لو بعنا مبنى المطار بكله والله ما يجيب 2 مليون دولار.
طبعاً هذا السفه والجنون وقع في الشهور الأخيرة لوزير النقل السابق، والوزير الحالي وجّه بالتحقيق«.
لكن بن لزرق قال في تدوينة أخرى نقلاعن مصدر وصفه بالكبير في وزارة النقل، إن عددا من أسماء اللجنة التي شُكلت «هم في الأساس جزء من شلة المسؤولين الذين أشرفوا على الواقعة وأقرّوها عند تنفيذها».
كما نقل عن نائب وزير النقل، في الوقت نفسه «أن اللجنة باشرت مهام عملها منذ لحظة تشكيلها، وستواصل عملها عقب عيد الأضحى»، وأشار إلى أن «المبلغ خيالي، ولن يتم القبول بدفعه تحت أي ظرف ووفق أي مبرر «.
وإزاء استمرار تصاعد ردود الفعل الغاضبة، كلّف النائب العام، قاهر مصطفى، نيابة الأموال العامة بمباشرة التحقيق في الواقعة.
في بلد قسّمته الحرب إلى جبهات ومصالح، كان لا بد أن تأخذ القضية حقها من التسييس أيضًا، فتناولتها وسائل الإعلام والمكونات السياسية، ومعها توجيه اتهامات بالفساد المالي والإداري لجهات نافذة داخل إدارة المطار ووزارة النقل، واعتبار تكليف لجان بالتحقيق ما هو إلا محاولة لامتصاص الغضب.
ويخلص مراقبون إلى أن أصل المشكلة يعود إلى وجود خلل في نظام التعاقدات وليست في مطالبة المقاول، إذ أن المشكلة في كيفية توقيع العقد من الأساس، إذ لا يمكن أن يبدأ مقاول العمل إلا بناء على مناقصة وبيان مقرّ وموقّع مسبقًا من الجهة المعنية، معتبرين أن تقديم فاتورة بهذا الرقم يعني إما أن هناك عقدًا أبيض مُنح للمقاول أو أن هناك تواطؤا.
وتوقع بأن يمر هذا المبلغ تحت الطاولة دون أن يلاحظه أحد.
وأشاروا إلى أنه لولا تسريب الوثائق لربما كان سيتم صرف المبلغ دون أن يلاحظ أحد.
ويرى لطفي صالح ردمان، في تعليق «أن رد الفعل الشعبي الغاضب لم يكن لمجرد الرقم، بل لتوقيته الصادم.
المواطن في عدن يعيش اليوم تحت وطأة جرعة جديدة في أسعار الديزل (24.
5) وانهيار تاريخي للعملة، وانقطاع للكهرباء».
ويضيف: «رؤية مبلغ 4 مليارات ريال يمني تذهب لـ «تغسيل وتنظيف مدرج» بينما تعجز الدولة عن توفير وقود لمحطات توليد الكهرباء، شكّل استفزازاً هائلاً للمشاعر ومسّ كرامة المواطن المطالب بالتقشف والصبر».
فيما قال مُحمّد حسن الماوري، على منصة أكس: «مبلغ 2.
5 مليون دولار (أكثر من 3 مليارات ريال يمني) ليس قيمة تنظيف، بل هو ميزانية تكفي لبناء مدرج جديد أو مطار محلي كامل.
تشكيل لجنة من 9 مسؤولين كبار لا يجب أن يكون مجرد غطاء لتبرير الفضيحة، بل يجب أن يتحول إلى محاسبة جنائية علنية، لأن أموال الشعب ليست غنيمة لمقاولي «المكانس الفاخرة»».
وطالب نائب رئيس نقابة الصحافيين الجنوبيين في عدن، عدنان الأعجم «وزير النقل باطلاع الرأي العام على نتائج التحقيق في القضية، وإحالة المتورطين إلى الجهات القضائية».
هناك مَن سيسأل: هل لجنة التحقيق محاولة لامتصاص الغضب أم إجراء حازم في مسار سينتهي بمحاسبة المتورطين؟يرى مراقبون أن من المهم تشكيل لجنة تحقيق؛ لكن التداعيات الحقيقية ستعتمد على مخرجاتها ومدى امتلاكها الشجاعة لإعلان الأسماء المتورطة، سواء من إدارة المطار أو وزارة النقل، وعدم الوقوع في ورطة صياغة تقرير دبلوماسي يُحمّل المقاول وحده المسؤولية، دون محاسبة المسؤولين الذين سمحوا له بالعمل بالأمر المباشر، معتبرين الحادثة اختبارًا حقيقيًا لمصداقية الحكومة أمام المانحين، ومقدمة لفرملة قطار الفساد المستشري في الهيئات الإيرادية، على حد تعبير أحدهم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك