شهد مركز عبدالرحمن كانو الثقافي مساء الثلاثاء، ندوة متخصصة تناولت أثر التحول الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي على المجتمع، ودور الشراكة المجتمعية في دعم الأمن والاستقرار الوطني، وذلك بحضور عدد من الأكاديميين والمهتمين في مجالات الإعلام الرقمي والتكنولوجيا والأمن المجتمعي وريادة الأعمال.
وقدمت الندوة كل من د.
أحلام القاسمي ود.
دنيا أحمد، حيث اتسمت الندوة بأسلوب حواري متناسق بين المتحدثتين، الأمر الذي انعكس على تفاعل الحضور وسلاسة الطرح وترابط الأفكار، خاصة مع تنوع المحاور المطروحة وارتباطها المباشر بالقضايا المجتمعية الراهنة.
واستعرضت الندوة التطور المتسارع الذي يشهده العالم في المجال الرقمي، وكيف أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي جزءًا أساسيًّا من تفاصيل الحياة اليومية، ليس فقط على المستوى الشخصي، وإنما أيضًا في المجالات الاقتصادية والإعلامية والاجتماعية، موضحتين أن المنصات الرقمية باتت تلعب دورًا محوريًا في بناء صورة المؤسسات وتعزيز تواصلها المباشر مع الجمهور، إضافة إلى دورها في التسويق الإلكتروني وتوسيع دائرة الوصول إلى مختلف فئات المجتمع.
وأكدت المتحدثتان أن نجاح المؤسسات اليوم لم يعد يعتمد فقط على جودة الخدمات أو المنتجات، بل أصبح مرتبطًا بقدرتها على إدارة حضورها الرقمي وفهم احتياجات الجمهور والتفاعل معه بصورة مستمرة وفعّالة، لا سيما في ظل المنافسة المتزايدة بين المؤسسات على المنصات الرقمية.
وتطرقت الندوة إلى التأثيرات التي فرضتها جائحة كورونا على بيئة العمل والتعليم، حيث أوضحت المتحدثتان أن الجائحة ساهمت في تسريع التحول نحو الأنظمة الإلكترونية والعمل عن بُعد، ما دفع العديد من المؤسسات إلى تطوير بنيتها الرقمية والاستفادة من التكنولوجيا الحديثة في الاجتماعات وإدارة الأعمال والتواصل الداخلي والخارجي، مؤكدتين أن تلك المرحلة كشفت أهمية الجاهزية التقنية والقدرة على التعامل مع المتغيرات الطارئة بسرعة وكفاءة.
كما تناولت الندوة الفرص التي وفرتها التكنولوجيا للشباب ورواد الأعمال، خصوصًا في مجالات التجارة الإلكترونية وصناعة المحتوى والتسويق الرقمي وإدارة المنصات الاجتماعية، الأمر الذي أتاح للأفراد إنشاء مشاريعهم الخاصة والوصول إلى جمهور أوسع بتكاليف أقل مقارنة بالأساليب التقليدية، فضلًا عن فتح المجال أمام الابتكار والإبداع في العديد من القطاعات.
وفي المقابل، ناقشت الندوة مجموعة من التحديات المرتبطة باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، من أبرزها انتشار المعلومات غير الدقيقة وتأثير المحتوى السلبي على المجتمع، والحاجة إلى تعزيز الوعي الرقمي وثقافة الاستخدام المسؤول للمنصات الإلكترونية، مع التأكيد على أهمية تحقيق التوازن بين الاستفادة من التكنولوجيا والحفاظ على القيم المجتمعية والهوية الوطنية.
وتطرقت الندوة إلى مفهوم الشراكة المجتمعية باعتبارها أحد النماذج الوطنية الناجحة في مملكة البحرين، حيث تم استعراض عدد من النظريات المرتبطة بالشراكة المجتمعية، من بينها نظرية رأس المال الاجتماعي القائمة على الثقة والتعاون بين أفراد المجتمع، ونظرية الحوكمة متعددة المستويات التي تؤكد أهمية التنسيق بين الجهات المختلفة لإدارة الأزمات بكفاءة، بالإضافة إلى نظرية تبادل الموارد التي تعتمد على تبادل المعلومات والخبرات والموارد لتحقيق التكامل بين مختلف الشركاء.
كما تم استعراض عدد من الأهداف الأساسية للشراكة المجتمعية، ومنها خلق بيئة آمنة ومستقرة، وتقليل الأضرار البشرية والمادية أثناء الأزمات، وزيادة الوعي الوقائي، وتعزيز الاستقرار النفسي والثقة المجتمعية، إلى جانب بناء ثقافة قائمة على التعاون والمسؤولية المشتركة.
وسلطت الندوة الضوء على الخطة الوطنية لتعزيز الانتماء الوطني وترسيخ قيم المواطنة “بحريننا (2024 – 2027)، والتي تضم أكثر من 100 مبادرة وطنية تشمل قطاعات التعليم والإعلام والعلاقات العامة والتشريعات، بمشاركة جهات حكومية وخاصة، بهدف تعزيز الهوية الوطنية وترسيخ قيم المواطنة والانتماء.
كما تناولت أهمية تطوير المناهج التعليمية لتعزيز قيم التعايش السلمي ومحاربة التطرف وبناء شخصية وطنية متوازنة، إلى جانب توظيف الوسائل الرقمية والمعارض الافتراضية التفاعلية لتوعية الطلبة بأساليب حديثة تواكب التطور التكنولوجي.
واستعرضت الندوة نماذج وطنية في إدارة الأزمات خلال عام 2020، حيث أشارت المتحدثتان إلى أن خطة “بحريننا” تضم 104 مبادرات، تم تنفيذ 84 مبادرة منها، فيما لا تزال 20 مبادرة قيد التنفيذ، بمشاركة 48 شريكًا من القطاعين الحكومي والخاص، مع التركيز على استدامة المبادرات وقياس أثرها المجتمعي وتعزيز التواصل الجماهيري عبر الإعلام والتفاعل الرقمي.
كما ناقشت الندوة دور الشرطة المجتمعية باعتبارها “الجسر الآمن” بين المجتمع والأجهزة الأمنية، مشيرة إلى تحقيق مؤشرات إيجابية أبرزها انخفاض معدل الجريمة بنسبة 30 %، إلى جانب التواجد الميداني المستمر وتغطية مختلف المحافظات والمناطق الحيوية، فضلًا عن دورها في نشر الوعي الوقائي وتعزيز العلاقة بين المجتمع والجهات الأمنية.
وتطرقت المتحدثتان أيضًا إلى برنامج “معًا” الذي يهدف إلى حماية الأجيال من السلوكيات السلبية، مستعرضتين عددًا من المبادرات المرتبطة بالأمن السيبراني والتوعية بمخاطر الاحتيال الإلكتروني وحماية البيانات الشخصية، بالإضافة إلى جهود الدفاع المدني والمتطوعين خلال الأزمات المناخية، والدور الإنساني الذي تقوم به المؤسسة الملكية للأعمال الإنسانية والجمعيات الأهلية في تقديم الدعم اللوجستي والمادي للمحتاجين والمتضررين.
وشهدت الندوة عددًا من المداخلات الحوارية التي أثرت النقاش، حيث أشاد جابر الرويعي بالمحاور المطروحة، مؤكدًا أهمية الرسالة الإعلامية خلال الأزمات والحروب، ودورها في الحد من انتشار الإشاعات والمعلومات المضللة التي تستهدف زعزعة الطمأنينة والنسيج المجتمعي.
وأشار إلى أن بعض الرسائل الإعلامية قد تبدو للبعض مزعجة أو مبالغًا فيها، إلا أنها تؤدي دورًا مهمًا في حماية المجتمع وتعزيز الوعي، مؤكدًا أن الإعلام الواعي والمسؤول يسهم في الحفاظ على الاستقرار المجتمعي وتعزيز الثقة بين المجتمع والمؤسسات.
كما شهدت الندوة مداخلة من د.
عبدالله، الذي أشاد بالتناغم الواضح بين د.
أحلام القاسمي ود.
دنيا أحمد، مؤكدًا أن هذا الانسجام ساهم في إيصال الأفكار بصورة مميزة للحضور، متسائلًا عن العوامل التي أسهمت في بناء هذا المستوى من الوعي الوطني والشراكة المجتمعية في البحرين.
وفي ردها، أكدت د.
أحلام القاسمي أن البحرين تُعد نموذجًا حيًّا للتعايش والوحدة الوطنية، موضحة أن المجتمع البحريني يتميز بالتناغم والتقارب بين مختلف مكوناته الاجتماعية والثقافية والدينية.
واستشهدت بمدينة المنامة كمثال واضح على هذا التنوع، من خلال وجود المآتم والمساجد ومعابد الهندوس وحضرة البهائيين في مساحة جغرافية واحدة، بما يعكس طبيعة النسيج البحريني المتماسك والمتضامن.
وأضافت أن هذا التماسك نابع من الشعور العميق بالانتماء والاستقرار والثقة في القيادة الحكيمة وأسرة آل خليفة الكرام، مشيرة إلى أن البحرين استطاعت الحفاظ على وحدتها رغم التحديات التي واجهتها، بفضل وعي المجتمع وقوة العلاقات الإنسانية بين أفراده.
كما أوضحت أن ما يتم تداوله أحيانًا عبر وسائل التواصل الاجتماعي لا يعكس الواقع الحقيقي للمجتمع البحريني، مؤكدة أن من يعيش في البحرين يدرك حجم الترابط والتكافل والتعايش بين أفراد المجتمع.
من جانبها، أكدت د.
دنيا أحمد أن المسؤولية الاجتماعية خلال الأزمات والحروب تُعد عنصرًا أساسيًّا في الحفاظ على استقرار المجتمعات، مشيرة إلى أن البحرين قدمت نموذجًا مختلفًا قائمًا على الوعي المجتمعي والتكاتف بين المواطنين، الأمر الذي ساهم في تجاوز التحديات بروح من الثقة والاستقرار.
وفي ختام الندوة، شددت المتحدثتان على أهمية الاستمرار في نهج الشراكة المجتمعية كخيار استراتيجي وطني يعزز الأمن والاستقرار، مع ضرورة توظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في تطوير قنوات التواصل الأمني والمجتمعي، والاستثمار في تدريب الكوادر والمتطوعين على مهارات إدارة الأزمات الحديثة.
وأكدتا أن وعي المواطنين ووقوفهم إلى جانب وطنهم يجسد أسمى معاني الولاء والانتماء، ويعكس الصورة الحقيقية للمجتمع البحريني القائم على التعاون والتكاتف والمسؤولية الوطنية، بما يعزز مكانة البحرين كنموذج متميز في التعايش والاستقرار المجتمعي.
تنبه صحيفة البلاد مختلف المنصات الإخبارية الإلكترونية الربحية، لضرورة توخي الحيطة بما ينص عليه القانون المعني بحماية حق الملكية الفكرية، من عدم قانونية نقل أو اقتباس محتوى هذه المادة الصحفية، حتى لو تمت الإشارة للمصدر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك