يشكّل اعتماد الكويت رسمياً في السجل المركزي لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية «OECD»، في ما يخص ضريبة الحد الأدنى المحلية المؤهلة «QDMTT» وملاذها الآمن «QDMTT Safe Harbor» بموجب إطار عمل «الركيزة الثانية»، تحولاً جوهرياً في مكانة الدولة على الخارطة المالية العالمية، لكن عملياً ماذا يعني ذلك للكويت؟مبدئياً يتعين الإشارة إلى أن اعتماد الـ «OECD» للكويت استند إلى المرسوم بقانون رقم (157) لسنة 2024 في شأن ضريبة الحد الأدنى المحلية، والذي دخل حيز التطبيق اعتباراً من 1 يناير 2025، وفرض حداً أدنى فعّالاً لضريبة الشركات متعددة الجنسيات الكبرى التي تتجاوز إيراداتها الموحدة 750 مليون يورو في سنتين من السنوات الأربع السابقة بنسبة لا تقل عن 15 في المئة.
وعود على ذي بدء، يعني اعتماد «OECD» للكويت، أن نظامها بات معترفاً به دولياً كإطار متوافق مع قواعد الحد الأدنى العالمي للضريبة، بما يسمح بفرض أي ضرائب تكميلية مستحقة محلياً، بدلاً من انتقال حق فرضها إلى دول أخرى، إلى جانب تقليص مخاطر الازدواج الضريبي وتعزيز اليقين التنظيمي للشركات متعددة الجنسيات العاملة في الدولة، كما يمثل تحولاً مهماً في بنية السياسة الضريبية للدولة، إذ يجمع بين الحفاظ على السيادة الضريبية المحلية والتوافق مع المعايير الدولية الحديثة.
إضافة إلى ذلك من المرجح حسب التقديرات الرسمية الأولية، أن يشمل حيز ضريبة الشركات متعددة الجنسيات نحو 300 مجموعة، بإيرادات ضريبية متوقع دخولها خزينة الدولة تقارب 250 مليون دينار سنوياً ما يعادل نحو 800 مليون دولار.
فضلاً عن ذلك، يُنظر إلى سرعة انتقال الكويت من إصدار التشريع إلى الحصول على الاعتراف الفني من منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية مؤشر تسارع على مواءمة الكويت لنظامها الضريبي في ظل التحولات العالمية المتعلقة بالحد الأدنى للضريبة، التي تقودها «OECD»، بالتعاون مع أكثر من 140 دولة، ضمن إطار يهدف للحد من تآكل الوعاء الضريبي، ونقل الأرباح إلى الولايات القضائية منخفضة الضرائب.
إلى جانب ذلك يوفر الاعتراف الدولي بالنظام الكويتي ضريبياً مستوى أعلى من اليقين الضريبي للشركات متعددة الجنسيات، لا سيما الأوروبية والأميركية العاملة في قطاعات الطاقة والخدمات المالية والتجزئة.
ويشير هذا التحول إلى انتقال النظام الضريبي العالمي من مرحلة التنافس عبر تخفيض المعدلات الضريبية إلى مرحلة الامتثال لحد أدنى موحد، ما دفع دول الخليج، ومنها الكويت، إلى المسارعة بتعديل أطرها التشريعية وتطوير منظوماتها الضريبية لتتوافق مع الواقع المالي الجديد.
ولا يُتوقع أن يترتب على النظام الجديد تأثير مباشر على غالبية الشركات الصغيرة والمتوسطة، نظراً لأن نطاق التطبيق يقتصر على الشركات متعددة الجنسيات الكبرى، التي تتجاوز إيراداتها الموحدة 750 مليون يورو، كما تتضمن قواعد «GloBE» استثناءات وحدوداً دنيا لبعض الكيانات منخفضة الإيرادات أو الأرباح، ضمن آليات «de minimis exclusion».
ويحمل تصنيف الكويت لدى «OECD» أهمية إستراتيجية للبلاد مالياً وتنظيمياً، إذ يسمح بتحصيل أي ضرائب تكميلية مستحقة محلياً بدلاً من انتقال حق فرضها إلى دول أخرى تطبق «الركيزة الثانية»، كما يعزّز قدرة الدولة على حماية إيراداتها الضريبية وتقليص مخاطر تسرب الوعاء الضريبي إلى الخارج، بالتوازي مع جهود تنويع مصادر الدخل وتقوية الاستدامة المالية بعيداً عن الاعتماد التقليدي على الإيرادات النفطية.
ومن الناحية العملية، يسهم نظام الملاذ الآمن في تبسيط بعض متطلبات الامتثال المرتبطة بحسابات «GloBE»، ما قد يخفف الأعباء الإدارية والتكاليف التشغيلية المرتبطة بإعداد التقارير الضريبية متعددة الولايات القضائية، ورغم أن الشركات ستظل مطالبة بإجراء حسابات فنية معقدة في بعض الحالات، فإن وجود نظام محلي معترف به دولياً، يقلّل مخاطر الازدواج الضريبي والخلافات المرتبطة بحقوق فرض الضريبة بين الدول.
يتوقع مراقبون أن يسهم اعتماد الكويت ضمن السجل المركزي لـمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في تعزيز الثقة بالبيئة الرقابية والضريبية للدولة، خصوصاً لدى المستثمرين الدوليين الذين يركزون على الاستقرار والوضوح التشريعي.
وفي المقابل، قد تواجه بعض الكيانات التي كانت تستفيد من معدلات ضريبية فعالة منخفضة ارتفاعاً محدوداً في العبء الضريبي، إلا أن هذا الأثر يبقى مرتبطاً بالحسابات الفنية الخاصة بـ «GloBE» وبهيكل كل مجموعة على حدة.
ويشير خبراء إلى أن تبني معظم الاقتصادات الكبرى والإقليمية لقواعد الحد الأدنى العالمي يقلل من احتمالات المنافسة الضريبية الحادة بين الدول، ويدفع تدريجياً نحو بيئة استثمارية تعتمد بصورة أكبر على كفاءة السوق والبنية التنظيمية بدلاً من الفروقات الضريبية وحدها.
وإقليمياً، تنضم الكويت إلى مجموعة متزايدة من دول الخليج التي اتجهت إلى تبني أنظمة متوافقة مع «الركيزة الثانية»، وإن كانت النماذج المطبقة تختلف من دولة إلى أخرى، فقد تبنت كل من الإمارات والبحرين أنظمة «QDMTT» مع ترتيبات مرتبطة بالملاذ الآمن، بينما تعمل أخرى على تطوير أطرها التنفيذية تدريجياً ضمن الجداول الزمنية لــ «OECD».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك