بات شبه مؤكّد أن ما كان يعرف في أدبيات اليمين المتطرف في أوروبا" الاستثناء الإسباني" قد ولّى، بعد أن أصبح حزب" فوكس"، اليميني المتطرف، رقماً رئيساً، أو يكاد، في معادلة السلطة، على الأقل على صعيد أقاليم الحكم الذاتي.
نجح" فوكس" في الفوز بـ13,82% من الأصوات (15 مقعداً) في الانتخابات الإقليمية بإقليم الأندلس، الأحد الماضي، خلف الحزب الشعبي، اليميني المحافظ، الذي حصل على 41,6% (53 مقعداً)، والاشتراكي العمّالي الذي فاز بـ22,71% (28 مقعداً).
وعلى الرغم من تصدُّر الحزب الشعبي نتائج هذه الانتخابات، فإنه فقد الأغلبية المطلقة التي كان يتمتع بها في المجلس الإقليمي السابق.
ما قد يدفعه إلى التحالف مع" فوكس"، بما يسمح له بالاستمرار في حكم الإقليم.
غير أن نجاح هذا التحالف يبقى مشروطاً بتنفيذ ما تضمّنه برنامجُ" فوكس"، لا سيما في ما يتعلق بتبنّي سياسة متشدّدة في الهجرة، وإعطاء الأولوية للإسبان قبل غيرهم في برامج الرعاية الاجتماعية، وإعادة النظر في العلاقات الإسبانية المغربية.
في المقابل، مُني" الاشتراكي العمّالي" بأكبر انتكاسة انتخابية في تاريخه في الإقليم، وهو الذي ظل عقوداً القوة السياسية الأولى هناك.
من ناحية أخرى، حملت نتائج الانتخابات الأندلسية معطى قد يكون له ما بعده؛ يتعلق الأمر بصعود النزعة القومية الأندلسية، ممثَّلة في حزب" إلى الأمام الأندلس" الذي حصل على 9,62% (ثمانية مقاعد).
وهو ما يطرح تحدّياً سياسياً جديداً على السلطة المركزية في مدريد، التي تشكّل إدارة التوازن بينها وبين أقاليم الحكم الذاتي أولوية مركزية لا تتأثر بتغيير الحكومات والنخب.
وإذا كانت هذه السلطة قد نجحت، نسبياً خلال ما يزيد على أربعة عقود، من التحكّم في النزعات الانفصالية في أقاليم الباسك وكتالونيا وغاليثْيا، واستيعابها بأقل الخسائر الممكنة، فإنَّ من شأن عودة الخطاب القومي الأندلسي إلى الواجهة أن تربك حسابات النخب الإسبانية بمختلف أطيافها الوطنية والإقليمية، ويخلط الأوراق في السياسة الإسبانية، لا سيما في ظل ما يطرحه" فوكس" بشأن إعادة النظر في تركيبة الدولة، بتحويلها من دولة مركّبة (لا مركزية) إلى دولة موحدة وبسيطة، بما يعنيه ذلك، من مراجعة دستور 1978، وإلغاء العمل بأقاليم الحكم الذاتي، والتصدي لكل النزعات الانفصالية التي تهدد وحدة إسبانيا وسيادتها.
في هذا السياق، يرى محلّلون إسبان أن مركز الثقل في السياسة الإسبانية بدأ ينتقل من المركز إلى الأقاليم، مع وجود أحزاب إقليمية أكثر إنصاتاً لهموم الإسبان ومشكلاتهم المعيشية، ما يجعلها أحزاباً أكثر عملية، بصرف النظر عن خلفياتها الأيديولوجية.
وهو ما تسعى أحزاب قومية إقليمية ويمينية متطرّفة إلى توظيفه في بناء خطاب سياسي أكثر واقعية.
ولعل هذا ما يجعل البعض يرى أن الفائز الحقيقي في الانتخابات الأندلسية، الأحد، حزب" إلى الأمام الأندلس" الذي، وإن حلّ رابعاً، فقد نجح في مضاعفة عدد الأصوات التي حصل عليها في 2022 أربع مرات.
من ناحية أخرى، في الوسع القول إن حملة الحزب الشعبي للفوز بالانتخابات التشريعية المقبلة (2027) قد بدأت، في ظل النتائج الجيدة التي حققها في الانتخابات الإقليمية أخيراً في أقاليم إكْسْتْريمادورا، وأراغون، وقشتالة وليون، والأندلس، في مقابل تراجع غريمه الاشتراكي العمّالي الذي يقود الحكومة الحالية.
غير أن من شأن استمرار صعود" فوكس" ونجاحه في توسيع رقعة انتشاره، وتوسّله بخطاب سياسي معادٍ للمهاجرين والأجانب، أن يجعل هذا كله من محطّة 2027 معركة كسر عظم جديدة بين اليمين، بطيفيه المحافظ والمتطرف، واليسار المعتدل، والأحزاب القومية الإقليمية.
في المحصلة، تشكّل الانتخابات الأندلسية، وغيرها من الانتخابات الإقليمية الأخرى منذ نهاية السنة المنصرمة، مختبراً حقيقياً لقياس مدى قدرة الطبقة السياسية الإسبانية التقليدية على مجابهة التحديات المطروحة أمام إسبانيا، وخصوصاً ما يرتبط بالتداعيات الاقتصادية المعلومة للأزمة الإيرانية على الاقتصاد الإسباني، علاوة على تصاعد معدّلات التضخّم والبطالة، وتراجع جودة الخدمات العمومية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك