قناة التليفزيون العربي - كاميرا التلفزيون العربي ترصد المشهد في الأحياء المنذرة بالإخلاء في مدينة صور جنوبي لبنان روسيا اليوم - ترامب يمسك العصا من المنتصف: لا أموال مباشرة لإيران ولا اتفاق دون تعويضات! روسيا اليوم - صحفي أمريكي يطلب من بوتين منحه الجنسية الروسية Independent عربية - غارة على مدينة غزة فجرا تودي بـ 8 فلسطينيين بينهم 5 من عائلة واحدة القدس العربي - استشهاد ثمانية فلسطينيين في غارات إسرائيلية على مدينة غزة قناة التليفزيون العربي - اتفاق وقف إطلاق نار بنقاط غامضة.. مصير مبهم لحزب الله وأميركا تقصي إيران وفرنسا من اللعبة! قناة التليفزيون العربي - شاهد.. حزب الله ينشر مقاطع ليلية لعملية مراقبة فوق قلعة الشقيف جنوبي لبنان قناة الشرق للأخبار - صندوق النقد يشيد بمتانة الاقتصاد السعودي رغم الأزمات قناة الجزيرة مباشر - Senegal: Atlantic waters force residents of Saint-Louis to displace and sweep away their homes قناة الشرق للأخبار - العراق.. رئيس الوزراء يوجه باستئناف شركات النفط عملها في كردستان
عامة

وداعاً لمتعة الأكل... الحرب تعيد تشكيل المطبخ اللبناني

Independent عربية
Independent عربية منذ 1 أسبوع
3

" لم تكن الحرب تدخل إلينا عبر القصف فحسب، بل عبر التفاصيل التي لا ترى. حتى الأكل تغير معناه. لم نعد نأكل ما نشتهي، بل ما يتوافر وما يصل وما يكفي الجميع. في مراكز النزوح صار موعد الطعام حدثاً يحدد شكل ...

ملخص مرصد
أعاد النزوح والحرب والأزمة الاقتصادية تشكيل المطبخ اللبناني، فانتقلت المائدة من التنوع والولائم إلى الوجبات البسيطة والخبز، بعدما فقد اللبنانيون حق اختيار ما يأكلونه. وأفاد ناشطون أن الطعام أصبح مرتبطاً بالقلق والتقنين، حتى في المنازل، مع تراجع الأطباق التقليدية لصالح مواد رخيصة وطويلة الأمد. وأكد تقرير لمنظمة الفاو أن الفئات الهشة تعتمد على أطعمة رخيصة كالخبز خلال النزاعات، رغم فقرها الغذائي.
  • الأزمة والحرب جعلت الطعام مرتبطاً بالحسابات والقلق والتقنين في لبنان
  • الخبز يتربع على عرش الأطعمة الأكثر استهلاكاً بسبب رخصه وسهولة الحصول عليه
  • المطبخ اللبناني فقد تنوعه واختصر على أطباق معدودة بسبب الحرب والأزمة الاقتصادية
من: أحمد هاشم (شخص)، منظمة الفاو (جهة) أين: لبنان

" لم تكن الحرب تدخل إلينا عبر القصف فحسب، بل عبر التفاصيل التي لا ترى.

حتى الأكل تغير معناه.

لم نعد نأكل ما نشتهي، بل ما يتوافر وما يصل وما يكفي الجميع.

في مراكز النزوح صار موعد الطعام حدثاً يحدد شكل النهار، هل وصلت الوجبات؟ هل تكفي؟ هل بردت؟ هل يستطيع أحد أن يطلب زيادة لطفل لم يشبع من دون أن يشعر بالخجل؟ هناك أطفال كانوا يبكون لأنهم لا يحبون نوع الطعام الموجود، ثم يضطر أهلهم لإقناعهم بالأكل لأن الحرب الحالية لا تترك رفاهية الاختيار، وهناك أمهات كن يقلن إنهن شبعن قبل أن يمددن أيديهن إلى الصحن، فقط كي يبقى ما يكفي لأولادهن.

في الحرب، حتى الجوع لا يبقى بسيطاً، يصبح ممزوجاً بالكرامة وبالإحراج وبالشعور القاسي بأنك لم تعد تملك حق اختيار أبسط ما يدخل إلى جسدك".

هذا مقطع من منشور طويل نشره الشاب الجنوبي أحمد هاشم منذ أيام على صفحته الخاصة عبر" فيسبوك"، أستاذنته لنشره كونه يختصر كثيراً من الوجع اليومي الذي يعانيه النازحون وهم يحصلون على واحدة من بديهيات الحياة اليومية، الطعام.

والمفارقة المؤلمة أن حال كثير من اللبنانيين لم تعد بعيدة كثيراً من حال النازحين، حتى وهم داخل بيوتهم.

فالأزمة الاقتصادية والحرب والخوف جعلت فكرة الطعام نفسها مرتبطة بالحسابات والقلق والتقنين.

عائلات كثيرة باتت تعيد تدوير ما تبقى من الطعام كي يكفي أياماً إضافية، حتى الذين ما زالوا يملكون سقفاً فوق رؤوسهم يعيشون شعوراً مشابهاً بفقدان الأمان الغذائي، وكأن الحرب نجحت مرة أخرى في نقل النزوح إلى داخل المطابخ نفسها، وليس فقط إلى الطرقات ومراكز الإيواء فحسب، وكأن المطبخ اللبناني نفسه انكمش تحت وطأة الخوف والغلاء والنزوح، فتراجعت فكرة الوليمة أمام فكرة تأمين الطعام، واختفت الأطباق التي تحتاج وقتاً وكلفة واجتماع عائلة كاملة حولها لتحل مكانها وجبات سريعة وبسيطة هدفها الأول سد الجوع، بعدما كان المطبخ اللبناني مهرجاناً للاحتفال بالمذاق.

في بلد تزاحم المازات الباردة والساخنة بعضها بعضاً بصورها وألوانها وقوامها وطعمها وتنوعها، تصبح فكرة المائدة ترفاً أيام الحرب، فتنكمش على ذاتها بعدما كانت أشبه بعرض كامل للحياة نفسها، كأنها فائض ذاكرة وكرم وهوية.

كانت المائدة تبدأ بصحن زيتون يتبعه الحمص والمتبل وورق العنب والفتوش والتبولة والهندباء والبطاطا الحرة، والكبة النيئة والسجق ورقاقات الجبن وفطائر السبانخ، والكبة المقلية والسنبوسك والشنكليش ومازات كثيرة أخرى لتصل إلى الطبق الرئيس الذي قد يكون مشاوي متنوعة أو أطباقاً أخرى، تتناوب كلها على الطاولة في وجبة واحدة كأنها احتفال يومي بالطعم المتنوع والغني.

وفي القرى كما المدن، كانت الأمهات يتفاخرن بعدد الصحون إذ فكرة الجوع مستحيلة في هذا المكان.

وكان المطبخ اللبناني يملك تلك المبالغة الجميلة التي قد تشبه البلد نفسه، عشرات المازات قبل الطبق الرئيس، ثم الفاكهة، ثم الحلويات والقهوة، وكأن المائدة تخشى فكرة القلة.

حتى إن بعض مراحل الحرب الأهلية (1975-1990) لم تنجح تماماً في كسر هذه العادة، وبقي اللبناني يبالغ في الأكل كأنه يقاوم الموت والخوف بطبق إضافي.

بعدما عاش اللبناني لفترة بعد توقف الحروب برخاء وهمي لم يكن يعرف أنه سيدفع ثمنه أضعافاً مضاعفة، عاد ليعاني قسوة الحروب المتكررة والانهيار الاقتصادي والنزوح وارتفاع الأسعار وتآكل الطبقة الوسطى.

ومع تغير السياسة تغير مشهد الإنفاق، وتغير أيضاً ما يوجد داخل البراد والقدر والطبق.

فلقد بدأت بعض الأطعمة بالانسحاب من الروتين اليومي، وأصبحت أخرى أكثر حضوراً لأنها أرخص وأطول عمراً وأكثر قدرة على إشباع العائلة.

والمائدة التي كانت تتباهى بالتنوع، بدأت تتعلم الاقتصاد في المكونات والكمية، ثم الاقتصاد في الرغبة نفسها.

عندما نتحدث عن الأطعمة الأكثر استهلاكاً نجد الخبز يتربع على عرشها، وعلى رغم أنه يسكت الجوع ويعالجه، لكنه يملأ المعدة من دون أن يبني الجسد.

وقد كان دائماً طعام الفقراء في الأزمنة العادية، وطعام الجميع حين تأتي الحروب.

في الحصار والنزوح وانهيار الأسواق، يسأل الناس أولاً عن الطحين والفرن، ويصبح الرغيف أداة لسد الرمق.

وقد أظهرت دراسة نشرتها كلية الصحة العامة في جامعة هارفرد ضمن ملف حول الحبوب الكاملة والتغذية عام 2013، أن تكرير القمح لإنتاج الخبز الأبيض يزيل أجزاء أساس من الحبة تحوي الألياف والحديد والمغنيسيوم وفيتامينات ب، مما يجعل الخبز مصدراً سريعاً للطاقة والسعرات، لكنه أقل قدرة على تأمين حاجات الجسم الغذائية على المدى الطويل.

وتشير الدراسة عملياً إلى مفارقة أن الخبز في أزمنة الأزمات يمنع الانهيار الفوري، لكنه لا يمنح جسداً سليماً، إنه بمثابة أداة نفسية لإقناع الجسد بأنه أكل وشبع.

ويحضر الخبز بقوة في أزمنة الحرب لأنه الطعام الأكثر قدرة على إخفاء النقص، إذ يمكن للخبز أن يرافق اللبنة والزيت والزعتر والبطاطا والبيض والحمص والمعلبات وغيرها من الأطعمة.

وفي الحروب تحديداً، يتحول الخبز إلى ما يشبه اقتصاد النجاة.

ويربط المؤرخون بين ندرة الخبز والانفجارات الاجتماعية منذ قرون.

ووثق تقرير نشره موقع" هيستوري" History عام 2019 بعنوان" كيف ساعد الخبز في إشعال الثورة الفرنسية"، كيف أدى ارتفاع أسعار الحبوب والخبز في أواخر القرن الـ18 إلى تصاعد الغضب الشعبي حتى أصبح الرغيف قضية سياسية لا تقل خطورة عن الضرائب والسلطة، حين كان الناس يطالبون بما يبقيهم أحياء.

وتكرر المشهد خلال القرن الـ20 في حروب ومجاعات عديدة، إذ أكد تقرير لمنظمة" الفاو" العالمية نُشر عام 2025 حول الأمن الغذائي داخل مناطق النزاعات، أن الفئات الهشة أثناء الحروب تميل إلى الاعتماد على الأطعمة ذات السعرات المرتفعة والكلفة المنخفضة، مثل الخبز والحبوب المكررة، لأنها تمنح شعوراً سريعاً بالشبع حتى لو كانت فقيرة غذائياً.

لهذا يبدو الرغيف في زمن الحرب طعاماً شديد التواضع وشديد القسوة في آن، فهو بمثابة هدنة قصيرة مع الجوع، وحين يصبح الخبز الطبق الرئيس والوحيد نفهم أن الناس يأكلون ليبقوا واقفين بما يكفي لانتظار يوم آخر ربما أقل قسوة.

وما يزيد من هشاشة المائدة أن لبنان ليس مكتفياً غذائياً، ففي مشروع الاستجابة الطارئة للقمح أشارت وثائق البنك الدولي ووزارة الاقتصاد إلى أن لبنان يعتمد بكثافة على استيراد الغذاء، وأن 80 في المئة من القمح المستهلك مستورد، وكان 96 في المئة منه يأتي من روسيا أو أوكرانيا قبل اضطرابات الحرب هناك.

لذلك، فإن رغيف الخبز اللبناني ليس محلياً بالكامل، إنه رغيف عالمي يتأثر بالمرفأ والدولار والبحر الأسود والشحن والدعم، وصولاً إلى القرار السياسي.

كان السؤال سابقاً ماذا نضيف على أطباقنا لنجعلها أكثر غنى وتميزاً، وكم نضع من اللحم مقابل البرغل في الكبة النيئة، ونتسابق في إعداد الأطباق ولمساتنا الخاصة بحسب كل منطقة.

واليوم شأن آخر، نصلي قائلين" أعطنا خبزنا كفاف يومنا"، ونقتصد في الضيافة أحياناً ونستبدل بعض المكونات ونتأقلم مع تغير المذاق.

تقول الأرقام إن المسألة لم تعد ذوقاً غذائياً بل صارت أمناً غذائياً وتدبيراً لا بد منه للاستمرار.

وفي تحليل التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي" IPC" المنشور خلال أبريل (نيسان) الماضي، يتوقع أن يواجه نحو 1.

24 مليون شخص في لبنان مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وهو ما يعرف بالمرحلة الثالثة وما فوق، بين أبريل وأغسطس (آب) 2026.

وبين الأسر اللبنانية وحدها، هناك 725 ألف شخص بنسبة 19 في المئة في مستوى الأزمة أو أسوأ، أما بين اللاجئين الفلسطينيين فتصل النسبة إلى 45 في المئة، وبين اللاجئين السوريين إلى 36 في المئة.

ما يحدث على المائدة في لبنان اليوم يعد نتيجة تراكمية وترجمة منزلية لحرب طويلة، فالطعام لم يختف بالكامل لكنه غير طبقته الاجتماعية.

ويمكن قراءة الأزمة من خلال الطعام، فالخبز يبقى الأساس وتبدأ أطباق بالاختفاء في كثير من البيوت، كأن المائدة اللبنانية أصبحت أرشيفاً صغيراً للحرب، فما اختفى منها يروي كثيراً عما خسره الناس، وما بقي عليها يكشف كثيراً عما يحاولون النجاة به.

فاللحم الأحمر ما زال موجوداً في الأسواق اللبنانية لكنه غادر كثيراً من البيوت، والسمك خرج من الروتين الأسبوعي، والفاكهة صارت تُشترى باقتصاد مدروس، أما المكسرات والأجبان الفاخرة وثمار البحر والسلمون والقريدس وحتى بعض أصناف المونة الجيدة، انتقلت من خانة الطعام العادي إلى خانة المناسبات أو الحنين.

في المقابل، عادت أطعمة أخرى إلى الواجهة كالعدس والبرغل والبطاطا والرز والمعكرونة والفاصوليا والحمص.

والخبز بوصفه آخر خط دفاع.

هكذا تستعيد المائدة اللبنانية أطباقها الريفية القديمة، لكن من دون الرومانسية التي ترافق عادة الحديث عن أكل الجدات، وبالطبع ليس احتفاءً بالأصالة إنما نتيجة حساب بارد بين الجوع والدخل وماذا سيغطي.

الانهيار الاقتصادي والحرب يداً بيدكان قد سبق الانفجار الحربي الأخير انهيار اقتصادي جعل الطعام نفسه مؤشراً إلى السقوط.

ويذكر البنك الدولي أن تضخم أسعار الغذاء في لبنان بلغ في عام 2022 معدلاً وسطياً يقارب 240 في المئة، ووصل إلى ذروة سنوية تقارب 483 في المئة خلال يناير (كانون الثاني) 2022.

وفي أغسطس 2023، سجل لبنان تضخماً غذائياً سنوياً بلغ 274 في المئة وكان بين الأعلى عالمياً، وفق تحليلIPC، حتى حين تراجعت نسب التضخم لاحقاً لم تعد الأسعار إلى ما كانت عليه، فالانخفاض النسبي في التضخم لا يعني عودة القدرة الشرائية بأي حال.

وأضافت الحرب طبقة أخرى إلى الأزمة، فالأرض نفسها تضررت.

وقد قدر تقرير منظمة الأغذية والزراعة ووزارة الزراعة اللبنانية عام 2025 أضرار القطاع الزراعي بنحو 118 مليون دولار، وخسائره بنحو 586 مليون دولار، مع تضرر المحاصيل والثروة الحيوانية والغابات والصيد وتربية الأحياء المائية، خصوصاً في الجنوب والبقاع.

وعندما تتضرر الأرض تختفي السلع من السوق ويختفي معها نمط كامل من العيش، كالمونة والإنتاج القروي مثل الزيتون والزعتر والحمضيات والخضراوات الموسمية والدجاج والبيض البلدي والحليب المحلي، وكل ما كان يصل إلى البيت عبر شبكة القرابة والقرية والحي والجيران.

تبدلت المائدة إذاً، وظهر انكماش البروتين.

فاللحوم باتت أقل حضوراً وصارت تُمدد داخل الطبخة بدلاً من أن تكون الطبق نفسه، والبيض صار بديلاً متقلباً بحسب سعره.

وأطباق مثل الكبة والمشاوي واليخنات الغنية باللحم، فضلاً عن وجبة السمك الأسبوعية، وإن لم تختف من الثقافة لكنها فقدت انتظامها، وصارت تظهر في المناسبات أو حين تصل حوالة مالية من الخارج.

وباتت العائلات تعمل على تمديد الطبخة، فطبق اليوم يجب أن يكفي الغد.

لذلك حضرت الأطعمة القابلة للتمديد مثل الرز مع الشعيرية والمعكرونة والبرغل والشوربات واليخنات الثقيلة والأطعمة الغنية بالعدس والحبوب، علها تسد ثغرات الفيتامينات وتسد الجوع في آن.

وخلال زمن الاستقرار كانت هذه الأطعمة جزءاً من التنوع، وفي زمن الأزمة صارت تقنية بقاء، إذ البحث عما يُشبع ولا يحتاج كثيراً من الإنفاق ولا يستهلك كثيراً من الغاز أو الكهرباء.

حتى شكل الضيافة، التي يشتهر بها اللبناني، بات مقتصراً على أنواع قليلة وضروية، فلم يعد فنجان القهوة يترافق مع الحلويات، وصحن الفاكهة إذا وجد بات مكتفياً بالموسميات، والدعوات إلى الموائد المتنوعة بين العائلات والأصدقاء تقلصت بصورة لافتة.

ولأن الحرب يرافقها كثيراً غياب للكهرباء ووسائل حفظ الأطعمة طازجة، تظهر المعلبات والأطعمة الجافة بوصفها أطعمة بديلة وصامدة، مثل التونة والسردين والفول والحمص والبازلاء والفاصوليا، والمعكرونة والأرز، والزيت والشاي والسكر والحليب البودرة طويل الأمد.

وما إن نذكر هذه المواد الغذائية مع بعضها حتى تظهر كمفردات في قاموس الخوف اللبناني، هي صناديق الإعاشات التي تأتي كحبل نجاة وتيسير أمور لكنها دوماً تشي بأن الحرب أحضرتها على ظهرها، فكل حرب تعلم الناس أن الثلاجة قد تخونهم، والكهرباء أول ما قد يتعرض للقصف والانقطاع، والطريق إلى السوبرماركت قد ينقطع.

لذلك، تنتقل الذاكرة من جيل إلى جيل أن خزنوا ما لا يفسد.

لكن يبقى الأخطر أن تكرار الحرب التي تغير الطعام قد تغير الذوق نفسه، فالطفل الذي يكبر على أطعمة الطوارئ يتعلم أن التنوع رفاهية، والعائلة التي تعتاد حذف السلطة أو الفاكهة أو اللحم من جدولها تسمي ذلك تدبيراً أو اقتصاداً.

وهنا تعمل الأزمة بأكثر صورها خبثاً، إذ تجعل التنازل عادة ثم تضحى العادة أسلوب حياة.

وعلى المدى البعيد يبدو البلد وكأنه يفقد مطبخه تحت وطأة الحرب كلما طالت، هذا المطبخ الذي ميزه في أنحاء العالم يصبح وكأنه أرشيف، وحس المذاق المرهف يصبح بحكم العادة يشبع من دون استمتاع بتنوع السفرة، حتى شكل المائدة يُختصر في أطباق معدودة لا تشبه هوية البلد وتراثه المطبخي.

وكل غياب لعنصر أو طبق كان يأخذ مساحته على المائدة يقول شيئاً، إما عن انهيار الرواتب أو الخوف من الإنفاق أو زيادة الأسعار أو استفحال الحرب وآثارها.

فالحرب لا تترك أثرها فقط على الجدران والبيوت وساحات القرى والمباني، فأحياناً تتركه في القدر.

في كمية اللحم التي نقصت، والفاكهة التي لم تُشترَ.

في الضيف الذي لم يعد يُدعى، وفي أم تقف أمام الثلاجة وتحاول اختراع طبخة بما حضر من مكونات.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك