حج بالناس بعد فتح مكة -سنة 8 هجرية- عتاب بن أسيد، ذلك الأموي العتيد الذي عيّنه النبي نائباً له على مكة.
فهو أموي النسب عن طريق الأب (أسيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس) والأم (أروى بنت أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس).
وهو ممن أسلموا يوم فتح مكة، وظلّ قبلها يحارب النبي مع أبي سفيان بن حرب، الذي كان من أقرب بني أمية إليه.
وتسجل كتب السيرة موقفاً شديد الغرابة لـ«عتاب»، بعد وفاة رسول الله، فعندما وصل هذا الخبر إلى مكة ارتج أهلها وكادوا يرتدُّون، خصوصاً بعد أن اختفى عتاب بن أسيد فجأة ودون مبرر واضح، فقام سهيل بن عمرو على باب الكعبة وصاح بهم، فاجتمعوا إليه، فقال: يا أهل مكة لا تكونوا آخر من أسلم وأول من ارتد، والله ليتمنّ الله هذا الأمر كما ذكر رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
وقد تم الحج سنة 8 هجرية على الطقوس التي تسير عليها العرب، إذ لم تكن قد نزلت بعد سورة «براءة»، واختلف الأمر بالطبع بعد نزولها سنة 9 هجرية.
في هذه السنة كلّف النبي أبا بكر الصديق بالحج بالناس، وكان عدد من صاحبوا «الصديق» في الرحلة المباركة 300 رجل من المسلمين.
وقد أعطى النبي، صلى الله عليه وسلم، «أبا بكر» سورة «براءة» ليقرأها على الناس في الحج، ويعلن لهم صراحة إبطال طقوس الحج الجاهلية، وأن الحج سيعود إلى أصله الإبراهيمي، لكن حدثاً مفاجئاً طرأ حين وصل «أبوبكر» إلى «ذي الحليفة» وهي الميقات المكاني لإحرام أهل المدينة (تعرف حالياً بأبيار علي).
فقد فوجئ «أبوبكر» بعلي بن أبي طالب يهرول خلفه ويطلب منه سورة «براءة» ليقرأها هو على المشركين.
كلنا يعلم مكانة أبي بكر الصديق من النبي صلى الله عليه وسلم، وليس هناك خلاف على أن القرار الذي اتخذه النبي بتنحية أبي بكر عن هذه المهمة وإرسال علي بن أبي طالب في أثره ليقوم بها، قرار له دلالته.
وقد كان «أبوبكر» أكثر المنزعجين له، وعندما عاد والتقى النبي كان أول سؤال يطرحه عليه هو: يا رسول الله بأبي أنت وأمي أنزل فيّ شيء؟ قال: لا، ولكن لا يبلغ عني إلا أنا أو رجل مني، ألا ترضى يا أبا بكر أنك كنت معي في الغار وصاحبي على الحوض؟ قال: بلى.
قاد أبوبكر الصديق شعائر الحج، وحجت العرب الكفار على عادتهم في الجاهلية، وأخذ «علي» يجهر بسورة «براءة».
يقول «ابن الأثير» في «الكامل في التاريخ»: «فنادى عليٌّ يوم الأضحى: لا يحجن بعد العام مشركٌ ولا يطوفن بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عهد فأجله إلى مدته، فقالوا: نحن نبرأ من عهدك وعهد ابن عمك إلا من الطعن والضرب، ورجع المشركون، فلام بعضهم بعضاً وقالوا: ما تصنعون وقد أسلمت قريش؟ فأسلموا».
هكذا انتهى مشهد الحج سنة 9 هجرية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك