في خضم التهديدات المتصاعدة للممرات البحرية في البحر الأحمر ومضيق هرمز، ومع تنامي مخاوف الخليج والغرب من هشاشة طرق الطاقة والتجارة، بدأت إسرائيل تظهر في النقاشات الإقليمية ليس كحليف سياسي بالضرورة، بل كـ" ضرورة استراتيجية" في الشرق الأوسط الجديد.
وبحسب مقال للبروفيسور عوزي رابي نشره موقع" واللا" الإسرائيلي، فإن التهديدات التي يفرضها الحوثيون على الملاحة في البحر الأحمر، إلى جانب قدرة إيران على التلويح بإغلاق مضيق هرمز، دفعت دولًا مثل السعودية والإمارات إلى إعادة التفكير في مسارات الطاقة والتجارة والأمن الإقليمي.
ويشير الكاتب إلى أن الحديث المتزايد عن ممرات وأنابيب طاقة تمر عبر إسرائيل نحو البحر المتوسط وأوروبا لا يتعلق فقط بمشاريع اقتصادية، بل يعكس تحولًا أعمق في رؤية المنطقة لمفهوم الأمن والاستقرار.
وأوضح المقال أن دول المنطقة بدأت تدرك أن الطرق البحرية التي اعتمدت عليها لعقود لم تعد مضمونة، وأن أي اضطراب في البحر الأحمر أو هرمز قد يتحول سريعًا إلى تهديد مباشر للاقتصادات وسلاسل الإمداد والطاقة.
وفي هذا السياق، يرى رابي أن إسرائيل قد تتحول إلى لاعب مركزي، ليس لأنها" محبوبة" في المنطقة، بل لأنها باتت" ذات صلة" وقادرة على تقديم ما تحتاجه الدول المحيطة: موقع جغرافي، بنى تحتية، موانئ، قدرات تكنولوجية، وحلول أمنية.
ويضيف أن إسرائيل تقع عند نقطة وصل بين الخليج وأوروبا، وبين الشرق والبحر المتوسط، ما يمنحها أفضلية في أي ترتيبات مستقبلية تتعلق بالطاقة والنقل والاتصالات.
ويؤكد الكاتب أن المنطقة لا تشهد" انفجار سلام" أو تحولًا عاطفيًا تجاه إسرائيل، بل تعيش ما وصفه بـ" انفجار الضرورة"، حيث باتت الدول تبحث عن أدوات تحمي اقتصاداتها وتضمن استمرارية التجارة والطاقة في ظل تصاعد التهديدات.
وأشار المقال إلى أن السعودية تسعى إلى إيجاد مسارات أكثر أمانًا نحو الغرب، فيما تريد الإمارات تقليص اعتمادها على مضيق هرمز، بينما تبحث أوروبا عن أمن طاقوي وتنويع طرق الإمداد، في وقت ترغب فيه الولايات المتحدة ببناء نظام إقليمي أكثر استقرارًا من دون الاعتماد فقط على القوة العسكرية المباشرة.
وفي هذا التقاطع بين المصالح، يرى رابي أن إسرائيل تملك فرصة لتقديم نفسها كمركز عبور وربط استراتيجي، شرط أن تفكر بمنطق" الحاجة" لا" الشعبية".
وأضاف أن إسرائيل تحتاج إلى" مهندسي ربط" قادرين على الجمع بين الموانئ وخطوط الطاقة والبنى التحتية والاتفاقات السياسية، لأن القوة في الشرق الأوسط المقبل لن تُقاس فقط بالقدرة العسكرية، بل أيضًا بالقدرة على وصل المسارات وضمان استمرارية التجارة والطاقة.
وفي المقابل، يحذر الكاتب من أن التحول إلى" عقدة إقليمية" سيجعل إسرائيل أيضًا هدفًا أكثر حساسية، لأن خطوط الأنابيب والموانئ والبنى التحتية قد تتحول إلى نقاط ضعف أمنية في أي مواجهة مستقبلية.
وختم المقال بالتأكيد أن الشرق الأوسط بدأ ينتقل تدريجيًا من مرحلة تُعطّل فيها الخلافات الكبرى أي تعاون، إلى مرحلة تفرض فيها المصالح العملية لغة جديدة قائمة على الطاقة والممرات والتكنولوجيا والأمن.
ويعكس هذا النقاش داخل إسرائيل إدراكًا متزايدًا بأن الحروب الأخيرة لم تغيّر فقط شكل المواجهات العسكرية، بل أعادت رسم خريطة المصالح والتحالفات والممرات الاستراتيجية في المنطقة بأكملها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك