حين يُتَّهم النجم… يختفي صوت الضحيةمن أشرف حكيمي إلى سعد لمجرد، يتكرر المشهد نفسه في كل مرة تُوجَّه فيها اتهامات بالتحرش أو الاعتداء الجنسي إلى نجم مشهور.
تنتفض آلة الدفاع الجماعي فوراً: " إنها مؤامرة"، " يريدون تدميره"، " أصلاً ليس بحاجة إلى ذلك".
وفي خضم هذا الضجيج، تختفي تدريجياً الشخصية الأساسية في القضية: الضحية.
ليس غياباً عرضياً.
بل آلية نفسية واجتماعية عميقة تستحق الفحص والتفكيك.
العلاقة شبه الاجتماعية: حين يصبح الغريب قريباًفي علم النفس والإعلام، يُسمّي الباحثون هذا النوع من الارتباط بـ «العلاقة شبه الاجتماعية" أو Parasocial Relationship؛ أي الشعور بالألفة والحميمية مع شخصية عامة لا تعرف أصلاً بوجودنا.
رقصنا على أغانيهم، بكينا مع أفلامهم، وعشنا انتصاراتهم وهزائمهم كأنها جزء من حياتنا الشخصية.
هذه الظاهرة ليست وليدة اليوم.
ففي عام 1893، ارتدى بعض معجبي شارلوك هولمز في لندن شارات سوداء حداداً عليه بعد أن" قتله" مؤلفه آرثر كونان دويل، وكأنهم فقدوا شخصاً حقيقياً لا مجرد شخصية خيالية.
بعد أكثر من قرن، لا تزال الآلية نفسها تتكرر.
حين تُوجَّه تهمة لنجم محبوب، يشعر كثيرون وكأن الاتهام موجَّه إليهم شخصياً.
فيغضبون، يُنكرون، يُهاجمون، ويدافعون بشراسة.
ليس دفاعاً عن شخص، بل دفاعاً عن جزء من هويتهم بنوه على صورة ذلك النجم.
الهالة الرمزية: حين يتجاوز النجم مهنتهالشهرة لا تصنع نجاحاً فردياً فحسب، بل تخلق حول صاحبها هالة رمزية.
الاسم نفسه يصبح محمَّلاً بدلالات تتجاوز المهنة: ليس مجرد مغنٍ أو رياضي، بل صورة، وحكاية، ومشروع معنى، وأحياناً رمز جماعي أو وطني.
وصف عالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران، في كتابه" النجوم" عام 1957، علاقة الجمهور بالمشاهير بأنها تشبه علاقة الناس بالرموز المقدسة: " النجوم مقدَّسون… لكنهم بشر فانون.
"حين يصطدم هذا الرمز باتهام خطير، يشعر الجمهور بأن صورته الشخصية مهدَّدة، فيندفع للدفاع عنه بوصفه دفاعاً عن الذات الجماعية أيضاً.
وفي السياق العربي تحديداً، حين يتحول الفنان أو الرياضي إلى رمز للنجاح الوطني، تصبح أي تهمة ضده وكأنها هجوم على البلد نفسه.
الضحية المُدانة: البريئة مرتينفي قضايا العنف الجنسي، يتحول الحديث سريعاً نحو سمعة النجم ومستقبله وخسائره… بينما تختفي المرأة التي تقول إنها تعرضت للأذى.
وحين تجرؤ على الكلام، يُطرح عليها ما لا يُطرح على أحد غيرها:" لماذا تحدثتِ الآن؟ " " لماذا ذهبتِ إليه؟ " " ماذا كانت ترتدين؟ "هكذا تجد الضحية نفسها مطالَبة بأن تثبت ألمها، وأن تبرر صمتها، وأن تدافع عن سلوكها، قبل أن يُصدَّق أصل القصة.
إنها مطالَبة بأن تكون بريئة مرتين: من الجريمة، ومن الشبهة الاجتماعية.
وتزداد الأمور تعقيداً في مجتمعاتنا، حيث قد تتحول الشكوى نفسها إلى عبء أخلاقي واجتماعي وحتى قانوني على الضحية، خصوصاً حين تكون العلاقات خارج الزواج محاطة بالوصم أو التجريم أو الإدانة الاجتماعية.
قرينة البراءة أم تواطؤ جماعي؟قرينة البراءة مبدأ قانوني أساسي لا يمكن المساس به.
غير أنها لا تعني إنكار رواية الضحية مسبقاً أو تحويلها إلى متهمة حتى تثبت العكس.
في قضايا العنف الجنسي تحديداً، آثار الجريمة قد تُمحى، والضحية قد تكون في موقع أضعف من المتهم، والأدلة المادية قد تكون نادرة أو متأخرة.
لذلك فإن الصمت ليس دليلاً على الكذب، كما أن التبليغ المتأخر ليس دليلاً على الاختلاق.
تزداد المشكلة حين تتحول الجماعة الرقمية إلى محكمة شعبية.
بدلاً من البحث عن الحقيقة، يبدأ البعض في حماية صورة النجم، أو الدفاع عن" سمعة" المؤسسة، أو رفض الفضيحة لأن الاعتراف بها مؤلم.
هنا لا يعود النقاش قانونياً فحسب، بل نفسياً وأخلاقياً أيضاً.
بين الفنان والإنسان: هل الموهبة استثناء من المساءلة؟سؤال كلاسيكي ومتجدد في آن واحد: هل يمكن الفصل بين العمل وصاحبه؟ وهل يجوز أن نُعامل الفنان كاستثناء خارج المساءلة لأن فنه عظيم أو تأثيره كبير؟تجيب عالمة الاجتماع الفرنسية ناتالي هاينريش بوضوح:" إذا كان صاحب العمل قد خالف القانون، فهنا يأتي دور العدالة.
وإذا كانت العدالة قد قالت كلمتها، فلا يحق لأحد منع تداول العمل الفني، حتى وإن اختار البعض عدم دعمه أو الترويج له.
"الموهبة ليست صكَّ غفران.
والإبداع لا يلغي المسؤولية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك