في رسالة إلى صديقه الفيلسوف ستانيسلاف إجناتسي فيتكيفيتش، وصف الكاتب البولندي برونو شولتز مجموعته القصصية «دكاكين القرفة» بأنها تقدم واقعا في حالة مستمرة من التخمر والتبرعم، وصنفها باعتبارها سيرة ذاتية ميثولوجية، وقصد بهذا أنها تكشف جينالوجيا روحه وتتعقبها إلى بؤرتها؛ حيث تتسرب داخل الميثولوجيا، وتضيع في هذيان ميثولوجي.
من قرأوا شولتز قد يندهشون لأول وهلة من ربط أدبه بالسيرة الذاتية، بالنظر لطابعه الغرائبي والأسطوري، لكنَّ قراءة أعمق تكشف أن هذا الكاتب اتسم بوعي حاد بطبيعة كتابته، إضافة إلى فهم خاص للعلاقة بين المخيلة والواقع.
فقراءة أعمال شولتز، تضع القارئ في مواجهة سيرة لأساطير الذات وإرثها الخرافي.
فالكتابة عنده غوص في أعماق اللاوعي، حيث الأساطير والذكريات والأحلام المغيبة التي تتطلب نبشا وتدقيقا وإعادة خلق.
ينطبق الأمر نفسه على الأماكن في نصوصه، فقد حول مسقط رأسه «دروهوبيتش» من مدينة إقليمية إلى فضاء قوامه التحول واللاثبات، يمتزج فيه الواقعي بالأسطوري والحلمي.
تدفعنا قراءة برونو شولتز، ومَن على شاكلته من كُتَّاب، إلى التفكير في تعريف الواقع ومحدداته، وتثير في الذهن أسئلة من قبيل: هل يقتصر الواقع على ما نراه ونلمسه؟ هل أحلامنا جزء من سيرتنا؟ وإن لم تكن كذلك، فماذا عن الهواجس والأفكار؟ أليست جزءا من واقعنا، رغم أنها لا تُلمَس ولا تُرى؟ ثم كيف يمكننا التمييز بين الحقيقة والوهم؟ هل النجوم حقيقية؟ وماذا عن لون البحار؟ هل هي زرقاء أم خضراء، أم تجمع بين اللونين، أم بلون النبيذ كما وصفها هوميروس؟عندما ننظر إلى السماء نرى نجوما انطفأت منذ ملايين السنين.
والعلم يخبرنا أن ما نراه ليس اللون الحقيقي للبحر.
وحين نفحص جوانب أخرى من عالمنا، نكتشف أن كثيرا من الأشياء ليست كما تبدو.
فالحياة ثرية، متعددة الأوجه، ومتنوعة، ودائما ما تدهشنا بطبقاتها غير المتوقعة والمخفية.
لذا من التقييد والاختزال حصر الأدب في رؤية بعينها للواقع، فكل كاتب استثنائي، يمتلك تعريفه الخاص له، وينحاز إلى زاوية نظر مغايرة يقاربه انطلاقا منها، ويحدث أن تختلف الرؤى حد التضاد.
فعلى سبيل المثال، آمن دستويفسكي بأن لا شيء أعجب من الواقع نفسه.
وعلى النقيض منه، أعلن خوان رولفو أن الأدب لا يستحق أن يكون أدبا إلا إذا أعاد خلق الواقع، فالأخير، من وجهة نظره، محدود وغير كافٍ ويحتاج إلى الخيال لدعمه.
يتيح لنا إبداع رولفو فهما أعمق لمقصده، وهو وإن اتسمت رؤيته هذه بالحدة، كونها تُخرج – إن احتكمنا لها- أعمالا مهمة من ملكوت الأدب، فقد امتلك على الأقل الجرأة على الاختلاف، وعلى ابتكار نصوص فريدة انطلاقا من رؤيته الأدبية لعلاقة الفن بالواقع، والأهم أنه لم يتغاضَ، عن المعاناة الإنسانية، بل تناولها بتوظيف عناصر غرائبية، ومزجها بالواقع كي نراه كما لم نفعل من قبل.
وأوضح، شأنه شأن برونو شولتز وآخرين، عبر الكتابة أن الأدب ليس مجرد نسخ للواقع أو انعكاس له، بل هو في الأساس ابتكار لعوالم موازية، وحقن الخيال الجامح في تفاصيل الحياة اليومية أو أسطرة للواقع، وتلاعب بمكوناته ومفرداته لإعادة صياغته في خلق جديد.
يكتب معظم الكُتَّاب، إن لم يكن جميعهم، لأنهم غير راضين عن العالم؛ لا يقبلونه كما هو، ويطمحون إلى تغييره ولو بين دفتَي كتاب، أو إلى تغيير طريقة البشر في إدراكه.
أحيانًا يكون ذلك من خلال اقتراح زوايا غير مألوفة لرؤيته، أو إلهامنا بطرائق خلاقة للتعامل معه، وأحيانا أخرى عبر إظهار قسوته وعواره بواقعية صادمة.
وبهذا، فإنهم لا يتجاهلون مشكلات الحياة الحقيقية، ولا يهربون منها؛ بقدر ما يفككونها ثم يعيدون تركيبها، سعيا لفهمها على نحو أفضل، وإذا برع هؤلاء الكُتَّاب في ذلك، تمنح كتاباتهم القارئ فهما أعمق للوجود بكل تعقيداته وطبقاته.
وغير بعيد عن هذا سؤال وجهته ريتا جيبيرت إلى خورخي لويس بورخيس، في حوار أجرته معه عام 1968: «إذا عزل المثقف نفسه في برجٍ عاجي، وتجاهل الواقع، فهل يمكنه أن يُسهِم في حل مشكلات المجتمع؟ ».
وأجاب بورخيس: «من الممكن أن يكون الانعزال في برجٍ عاجي والتفكير في أمور أخرى أحد سبل تغيير الواقع، أعيش في برجٍ عاجي – كما تطلقين عليه – أبتكر قصيدة أو كتابا، ويمكن أن يكون ذلك حقيقيا بقدر أي شيء آخر.
الناس يخطئون عموما حين يختزلون الواقع في الحياة اليومية، ويعتبرون ما عداها غير حقيقي، فعلى المدى البعيد، المشاعر والأفكار والتأملات حقيقية مثلها مثل الأحداث اليومية، وأعتقد أن جميع الحالمين والفلاسفة في العالم يؤثرون في حياتنا الراهنة».
هذا رد بورخيسي نموذجي؛ فكتابته هي المثال الأوضح على الأدب الذي يتغذى على الأدب نفسه، كما أن إدراكه للواقع – كما يتبدى في إبداعه – يخالف التصور الشائع، وينسجم تماما مع إجابته على سؤال جيبيرت.
ومن جانبه أكد غابرييل غارسيا ماركيز دوما على الأصل الواقعي لكل ما كتب، بما في ذلك أكثر التفاصيل غرائبية.
واعترف بأن الكاريبي علّمه أن ينظر إلى الواقع بطريقة مختلفة، وأن يتقبل القوى الخارقة باعتبارها مكونا من مكونات الحياة اليومية، فتاريخ الكاريبي حافل بالسحر والغرابة.
لقد فتحت حكايات جدته أبواب الخيال أمامه، لكن كافكا كان مَن أخذ بيده إلى عالم الكتابة، لأنه «كان يسرد الأشياء بالطريقة ذاتها التي اعتادت عليها جدتي لكن بالألمانية.
» كما ذكر ماركيز في كتاب «رائحة الجوافة».
في الكتاب نفسه حكى أيضا أنه ما إن قرأ الجملة الافتتاحية لـ»الانمساخ»، حتى أغلق الكتاب وهو يرتعش، وقال لنفسه: «يا إلهي، أستطيع أن أفعل شيئا كهذا»، وفي اليوم التالي كتب أول قصة قصيرة.
لكافكا هذا التأثير بالفعل لأنه يلهم الآخرين منهجا مغايرا لفهم الواقع، وابتكار عوالم فنية تشبهه وتختلف عنه في آن، فلا تفقد صلتها به، وهذا تحديدا ما يدفعنا إلى التعاطف مع معاناة شخصيات كافكا مهما بلغت غرابتها.
قد يتساءل البعض: ما احتمالية أن يستيقظ إنسان ذات صباح من أحلام مزعجة ليجد نفسه قد تحول في فراشه إلى حشرة عملاقة؟ والإجابة هي: مستحيل.
لكن معظمنا يعرف معنى الشعور بالاغتراب والعجز، ومعنى أن يُترَك المرء ليواجه مصيره بمفرده كما كان الحال مع جريجور سامسا.
كتب كافكا «الانمساخ» قبل الحرب العالمية الأولى، و«المحاكمة» في أثنائها.
ومع ذلك، لا توجد إشارة مباشرة إلى الحرب في أي من العملين.
غير أننا لا نستطيع اتهامه بتجاهل أحداث زمنه، لأنه وإن لم يوثِّقها بشكل مباشر، فقد عبر ببلاغة عن جوهر هذا العصر، إذ كتب أعماله بمداد الحزن والمخاوف والهواجس التي اختبرها هو ومجايلوه.
في النهاية، هؤلاء الكُتَّاب ليسوا سوى أمثلة على كيفية إعادة تشكيل الواقع عبر المخيلة، وعلى تنوع طرائق مقاربته أدبيا.
والفيصل يكمن في أن يجترح الكاتب أسلوبه الخاص، ونصا قادرا على القبض على جوهر عالمنا والتعبير عن معاناة البشر أينما كانوا، سواء انحاز المؤلف إلى الواقعية أو لجأ إلى الغرائبية كأداة لفهم الواقع.
لكن تنوع الرؤى والمقاربات وطرائق الكتابة، كما نتلمسه عبر قراءة تاريخ الأدب، يهمس لنا: تجرؤوا على الغرابة، تجرؤوا على الاختلاف.
احتضنوا فرادتكم، ودعوها تلهمكم وتشكل صوتكم وهو يتكلم ككُتَّاب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك