يخطئ من يظن أن المجتمع الإيراني كتلة واحدة متجانسة بناء على الخطاب الرسمي للدولة، في حين هو فسيفساء من الأعراق والقوميات والديانات فمنهم، الفرس والبلوش والأذريين والعرب والأكراد واللور والبختياريين والتركمان والسنة والشيعة والمسيحيين واليهود والبهائيين والزردشتيين.
وقد أقصى نظام ولاية الفقيه جميع هذه المكونات، وحكم الجميع تحت راية مذهب ديني واحد، لا تحت راية المواطنة.
يمر المجتمع الإيراني بما يصفه المراقبون بالعلمانية الصامتة، فالأجيال الشابة التي تشكل الغالبية العظمى من السكان بدأت تعيش انفصالا وجدانيا وفكريا عن الخطاب الأيديولوجي للسلطة الحاكمة.
وتشير الدراسات الاستقصائية التي أجريت حديثا داخل إيران إلى انخفاض ملحوظ في نسبة الإيرانيين الذين يعرفون أنفسهم كمسلمين ملتزمين بالمعنى التقليدي، فإقحام نظام الولي الفقيه، الدين في تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين أدى إلى تحول مزاج الشعب الإيراني، الذي أصبح معظمه يفضل فصلا واضحا بين المؤسسة الدينية وإدارة الدولة.
العلمانية لم تعد مجرد فكرة سياسية نخبوية، بل أصبحت مطلبا شعبيا يظهر في شعارات الاحتجاجات التي نادت بدولة مدنية ديمقراطيةهذا التحول الفكري الكبير جاء نتيجة لما يسميه علماء الاجتماع بـرد الفعل المعاكس.
ففرض الدولة نمط حياة دينية قسرية أدى إلى نفور قطاعات واسعة من الشباب من الممارسات الدينية التقليدية.
فالشعوب التي خرجت من تجربة مريرة من الحكم الأيديولوجي الفاشل، غالبا ما تميل إلى الانتقال إلى نظام حكم يكون نقيضا للحكم السابق.
فقد جرب الشعب الإيراني حكم الولي الفقيه، ولم يجد غير الحروب العبثية التي أهدرت موارد البلاد على التصنيع الحربي، وعلى المغامرات الحربية الفاشلة، بينما يعاني الشعب فقرا مدقعا، وقمعا للحريات لذا أصبح يتوق لنظام حكم يمنحه العقلانية والاستقرار والرفاهية.
فالكثير من الإيرانيين أصبحوا اليوم يفرقون بين الإيمان الشخصي، والدين كمؤسسة سياسية، لذا فإن العلمانية لم تعد مجرد فكرة سياسية نخبوية، بل أصبحت مطلبا شعبيا يظهر في شعارات الاحتجاجات التي نادت بدولة مدنية ديمقراطية.
فالأجيال الشابة لم تعد تجد في الخطاب الديني الرسمي حلولا واقعية لمشاكلها الاقتصادية، أو طموحاتها في الحريات والخيارات الفردية، فقد أصبح هؤلاء الشباب يدركون أن العلمانية ليست كفرا أو إلحادا أو محاربة للإسلام، كما يروج النظام، وإنما هي فصل للدين عن الدولة، بحيث يبقى الدين بعيدا عن الشأن العام وعن إدارة الدولة وعن تشكيل الحكومة وعن التعليم وبرامجه، مما يضمن لهم العيش بكرامة بعيداً عن الرقابة الأخلاقية.
وقد يرى البعض أن وجود المعممين في إيران سيكون عائقا أمام أي تغيير في نظام الحكم، إلا أن الواقع يشي بأن المعممين لا يدعمون جميعهم ولاية الفقيه، فمنهم المرتبطون بالنظام والمستفيدون من الامتيازات الاقتصادية والسياسية، وهؤلاء سيقاومون أي تحول نحو العلمانية، لأنها تستهدف جوهر وجودهم.
ومنهم من يؤمن بـالعلمانية التقليدية، أي عودة رجال الدين إلى المساجد وترك السياسة لأهلها، وهو موقف يتبناه الكثير من المراجع، الذين يرون أن حشر الدين في السلطة، أضر بسمعة المذهب الشيعي، ويرون أن السبيل الوحيد لإنقاذ مكانة الدين في قلوب الناس لا يكون إلا بعودة المعممين إلى المساجد وترك السياسة لأهلها.
أما النوع الأخير من المعممين فهم القاعدة الشعبية المحافظة، التي بدأ الولاء الأيديولوجي فيها ينحسر بسبب التذمر الاقتصادي، خصوصا في المدن الكبرى التي شهدت انتشار المد الشبابي، الذي يسعى إلى الحداثة وخلق التغيير في مؤسسة الحكم.
فلم يعد المعممون في إيران يملكون السلطة الروحية، التي حازوها في سبعينيات القرن الماضي، وتمتعوا بها لعقود طويلة.
كما أن المرأة الإيرانية بدأت تشكل أقوى الداعمين لقيام نظام حكم علماني، فهي ترفض الوصاية الدينية على جسدها وملبسها وهي التي صرخت بشعارات (المرأة الحياة الحرية) و (الموت للديكتاتور) وهي التي أحرقت حجاب الرأس في التظاهرات التي شهدتها إيران في سبتمبر عام 2022 بعد وفاة الشابة مهسا أميني، بعد أن احتجزتها شرطة الأخلاق في طهران بدعوى عدم التزامها بالمعايير الحكومية المفروضة على ملابس النساء في الأماكن العامة، بالإضافة إلى أن إيران تتميز بحالة فريدة قد لا توجد في غيرها من الدول وهي، امتلاكها لجيشين، وهما الجيش الإيراني النظامي والحرس الثوري، ولكل منهما أسلحة برية وبحرية وجوية واستخبارات عسكرية، ولكل منهما كذلك عقيدة ومصالح مختلفة.
فالجيش الإيراني النظامي هو الأقل انغماسا بالأيديولوجيا الدينية مقارنة بالحرس الثوري، الذي أسسه خميني، كجيش عقائدي لحماية الثورة وليس الدولة، ما يجعل تغيير نظام الحكم في إيران يبدو من الأمور المعقدة.
الثورة الايرانية سعت ومنذ البدء إلى تهميش الجيش الإيراني الوطني وحرمانه من الميزانيات المالية والتسليح والتطوير، التي تذهب بدلا من ذلك لصالح الحرس الثوري الأيديولوجي.
ومن أجل مراقبة ولاء هذا الحرس للأيديولوجيا التي خلقته فقد زرع المرشد الأعلى مكاتب دينية داخل كل وحدة عسكرية، ما يجعل الحرس يخشون القيام بأي تحرك جماعي لفك الارتباط بالأيديولوجيا، لئلا يتعرضون للعقاب.
ولكن من المرجح أن يصطف الجيش الإيراني النظامي المهمش مع الشعب الإيراني في تطلعاته نحو تغيير نظام الحك، وإنهاء الوصاية الدينية، ليصبح جيشا وطنيا محترفا ينأى بنفسه عن التدخل في السياسة، ويحافظ على نفوذه كمدافع وحيد عن السيادة الإيرانية.
إن تقبل الشعب الإيراني لأي حكومة علمانية قادمة سيعتمد على قدرة هذه الحكومة على حماية حقوق الجميع من متدينين وغير متدينين، من دون أن تتحول لأداة للانتقام من كل مظهر ديني، أو ممارسة دينية مما قد يعرض البلاد لدورة من دورات العنف والدم.
فالقول إن العلمانية لن تكون خيارا واقعيا في إيران بسبب وجود المعممين هو قول يتجاهل ديناميكية المجتمع الإيراني الحي، الذي يملك إرثا علمانيا سابقا وذاكرة عن دولة مدنية ماضية، رغم الحكم الفردي للشاه محمد رضا شاه بهلوي.
فالعائق الأكبر أمام التحول نحو الدولة المدنية ليس التدين الشعبي، وإنما غياب التنظيم السياسي البديل.
فالعلمانية في إيران ما زالت تعيش في عقول الشباب لأنها تفتقر إلى وجود تنظيمات سياسية، تمكنها من استلام زمام الأمور وإقناع المتخوفين والمترددين، وبالذات البسطاء في القرى والأرياف، بأن العلمانية لن تمنعهم من ممارسة شعائرهم الدينية، ولن تجبر النساء على التخلي عن الحجاب قسرا، كما حصل في عهد الشاه رضا شاه بهلوي.
فالعائق ليس في تقبل الشعب للعلمانية كفلسفة حكم، وإنما في مقاومة السلطة الدينية الحاكمة لها، لأنها ستحرمها من امتيازاتها في السلطة والحكم والمال.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك