تتصدّر الدنمارك قائمة الدول الأوروبية من حيث الإنفاق العسكري للفرد، في تحول متسارع يعكس إعادة تشكيل واسعة لأولويات الأمن في أوروبا منذ الحرب في أوكرانيا، مقابل تصاعد النقاش الداخلي حول قدرة نموذج دولة الرفاه على تحمّل هذا التحول دون تآكل تدريجي في بنيته.
لكن التوسّع الدفاعي لا يمر دون نقاش داخلي حاد.
فقد انتقدت منظمات دنماركية مناهضة للتسلح هذا المسار، ومن بينها مبادرة" لا للتسلح – نعم لسياسة أمنية مستدامة"، التي قالت المتحدثة باسمها سوزانه بوسينغ، في تصريح لـ" العربي الجديد"، إن" السياسيين يرفعون ميزانيات الدفاع بشكل هائل من دون طرح نقاش حقيقي حول ما يحتاجه المجتمع فعلاً".
ويرى المسؤول في المنظمة المناهضة لسباق التسلح" لا للحرب" كارستن أندرسن أن التركيز المتزايد على الحلول العسكرية" لم يؤد إلى إنهاء الحروب، بل إلى مزيد من الدمار واللاجئين والضحايا"، مشيراً في حديثه لـ" العربي الجديد" إلى أن تجارب الحرب في أوكرانيا وغزة والتوترات الدولية المتصاعدة تُظهر أن الحلول العسكرية لا تقود إلى السلام، بل إلى إعادة إنتاج الصراع.
ويضيف أندرسن أن تقليص المساعدات التنموية (تحت ضغط اليمين إلى أقل من 1% من الناتج المحلي والموجهة إلى دول عالم الجنوب) وزيادة الإنفاق العسكري يمثلان تحولاً خطيراً، داعياً إلى إعادة تعريف مفهوم الأمن ليشمل المناخ والفقر والهجرة وعدم المساواة باعتبارها تهديدات طويلة الأمد للاستقرار.
وبحسب تقرير معهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام (سيبري) الصادر في 27 إبريل/نيسان 2026، بلغ الإنفاق العسكري في الدنمارك نحو 2500 دولار للفرد سنوياً في 2025، مقارنة بنحو 630 دولاراً في 2016، أي بزيادة تقارب أربعة أضعاف خلال أقل من عقد.
ويضع هذا الرقم الدنمارك في المرتبة الأولى أوروبياً وضمن أعلى خمس دول عالمياً من حيث الإنفاق العسكري للفرد، في وقت تشهد فيه معظم دول القارة زيادات متسارعة في ميزانياتها الدفاعية.
وتظهر المقارنات الأوروبية فجوة واضحة في هذا المجال، إذ يبلغ الإنفاق العسكري للفرد في ألمانيا نحو 1600–1700 دولار، وفي فرنسا نحو 1500 دولار، بينما يقل في إيطاليا عن 700 دولار، وفي إسبانيا عن 500–600 دولار، ما يجعل الإنفاق الدنماركي أعلى بنحو 50% من ألمانيا وفرنسا، وبأربعة أضعاف تقريباً من إسبانيا.
على المستوى الداخلي، يشهد المسار الدفاعي الدنماركي توسعاً كبيراً ومتدرجاً.
فقد وافق البرلمان في أكتوبر/تشرين الأول الماضي على تخصيص نحو 3.
9 مليارات يورو (حوالي 4.
2 مليارات دولار) لشراء 16 مقاتلة إضافية من طراز إف35، ضمن أحد أكبر برامج التسلح في تاريخ البلاد الحديث، كما نشرت وزارة دفاع البلد، والتي تشارك في تطويرها شركات صناعية من بينها" تيرما".
ويأتي ذلك ضمن حزمة أوسع من التحولات، إذ خصصت الحكومة منذ عام 2022 نحو 18 مليار كرونة دنماركية (حوالي 2.
6 مليار دولار) إنفاقاً إضافياً فورياً على الجيش، إضافة إلى خطة تمتد لعشر سنوات بقيمة 155 مليار كرونة (حوالي 22–23 مليار دولار) بدءاً من 2024.
وبذلك سيرتفع أسطول الدنمارك إلى 43 طائرة إف35، في مؤشر على انتقال السياسة الدفاعية إلى تخطيط استراتيجي طويل الأمد.
وتُعد الدنمارك من الاقتصادات الصغيرة عالية الدخل، إذ يبلغ ناتجها المحلي الإجمالي نحو 460 مليار دولار، مع نصيب فردي يتراوح بين 76 ألف دولار و83 ألفاً سنوياً، وهو من أعلى المعدلات في أوروبا.
ويعتمد نموذجها على ضرائب مرتفعة تتراوح بين 43% و45%، وأخرى تصاعدية لأصحاب المداخيل المرتفعة، تعاد من خلالها صياغة الخدمات العامة في مجالات الصحة والتعليم والإسكان والرعاية الاجتماعية.
لكن هذا النموذج يواجه اليوم نقاشات داخلية متزايدة تتعلق بالضرائب التصاعدية، وتوزيع الأعباء المالية، وحدود قدرة الدولة على الحفاظ على مستوى الرفاه في ظل تصاعد الإنفاق الدفاعي.
وتبرز هذه النقاشات في سياق سياسي أكثر تعقيداً بعد انتخابات مارس/آذار الماضي، حيث لم تُشكَّل حكومة مستقرة حتى الآن، وسط مفاوضات مستمرة حول أولويات السياسة الاقتصادية والاجتماعية.
وتحذر المنظمة الوطنية للبلديات الدنماركية (كي إل) من تحديات بنيوية عميقة تهدد مستقبل دولة الرفاه، إذ تتوقع انضمام أكثر من 143 ألف شخص من كبار السن فوق 80 عاماً إلى صفوف المحتاجين لرعاية خلال العقد المقبل، بالتزامن مع خروج أجيال من سوق العمل.
وتشير المنظمة إلى احتمال نقص يقدر بنحو 34 ألف موظف في الرعاية المنزلية بحلول عام 2035، ما يهدد قدرة البلديات على الحفاظ على مستوى الخدمات الحالي.
وتحذر" كي إل" من أن استمرار هذا المسار التسليحي قد يؤدي إلى" تآكل تدريجي في نموذج الرفاه" بحيث يشعر المواطنون بأن العقد الاجتماعي التقليدي يتغير، إذ يتمكن القادرون مالياً من شراء خدمات إضافية، بينما يعتمد الآخرون على مستوى أقل من الرعاية العامة.
وفي هذا السياق، يتداخل المسار الاجتماعي مع التحولات الدفاعية، حيث تشير البيانات الرسمية إلى أن الإنفاق العسكري ارتفع إلى نحو 3.
5% من الناتج المحلي في 2024، شاملاً الدعم لأوكرانيا، مع توقعات بزيادته إلى نحو 5% في السنوات المقبلة، مقابل استمرار إنفاق واسع على الصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية، حيث تستحوذ الصحة وحدها على نحو 17% من الإنفاق العام، والتعليم على نحو 14%.
وبحسب بيانات سيبري للعام الماضي، بلغ الإنفاق العسكري العالمي في 2024 نحو 2.
718 تريليون دولار، بزيادة 9.
4%، وهي الأعلى منذ نهاية الحرب الباردة، فيما استحوذت خمس دول كبرى على نحو 60% من هذا الإنفاق، ما يعكس تسارعاً عالمياً في إعادة التسلح، لا يقتصر على الدنمارك وحدها.
وبينما تبقى الدنمارك واحدة من أكثر دول العالم استثماراً في الإنسان والخدمات العامة، فإن وتيرة توسع الإنفاق العسكري تضع نموذج دولة الرفاه أمام اختبار متزايد التعقيد، يتمثل في القدرة على الحفاظ على توازن دقيق بين متطلبات الأمن المتصاعد وضغوط الاستدامة الاجتماعية في السنوات المقبلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك