في مشهد غير مسبوق داخل أعرق المنظمات النقابية في تونس، تتصاعد أزمة الرواتب داخل الاتحاد العام التونسي للشغل، لتتحول من إشكال مالي داخلي إلى عنوان جديد للصراع ما بين النقابة الأكثر تمثيلاً في البلاد والحكومة التي تسعى لإضعاف هذا الصرح النقابي وتفريغه من قدراته التأثيرية.
ويواجه اتحاد الشغل وضعاً مالياً صعباً بسبب نقص السيولة ودخول المنظمة في إجراءات تقشفية بعد تراجع مداخيلها الشهرية التي كانت تتأتى من الاقتطاعات الآلية من رواتب الموظفين.
ومنذ فبراير/ شباط الماضي أوقفت الحكومة الاقتطاع الآلي للاشتراكات الذي يعد المورد المالي الأساسي للمنظمة حيث تضمن هذه الآلية المعتمدة منذ أكثر من 50 عاماً تدفقاً مالياً منتظماً يسمح بتسيير الهياكل النقابية إلى جانب المداخيل الثانوية مثل كراء (إيجار) العقارات أو الأنشطة التدريبية.
ووفق العرف المعمول به منذ سبعينيات القرن الماضي تصدر الحكومة في بداية كل سنة إدارية منشوراً لتجديد عملية الاقتطاع الآلي للاشتراكات من رواتب الموظفين في الوزارات والمؤسسات الحكومية بواقع ثلاثة دنانير تونسية (حوالى دولار) لكل موظف، وتحويلها شهرياً لحساب الاتحاد.
وقال الصحافي في جريدة الشعب الناطقة باسم الاتحاد العام التونسي للشغل، صبري الزغيدي، إن أزمة السيولة أصبحت تطاول مرتبات أعوان الاتحاد وموظفيه، مركزياً وجهوياً، والعاملين في جريدة الشعب الذين نفذوا وقفات احتجاجية بسبب ضبابية وضعهم المهني والاجتماعي.
وأكد الزغيدي في تصريح لـ" العربي الجديد" أن الموظفين يواجهون انتكاسة غير مسبوقة لحقوقهم ومكتسباتهم المهنية والاجتماعية، مشيراً إلى أن المحتجين طالبوا المركزية النقابية بتوضيحات حول مستقبلهم المهني ومصير الأعوان والموظفين والصحافيين، وخصوصاً في ما يتعلق بمكونات الأجور الأساسية والحماية الاجتماعية ومنح الإنتاج ووصولات الأكل وبقية المنافع والاستحقاقات التي يتمتعون بها.
وفي وقت سابق، أكد عضو المكتب التنفيذي السابق، سامي الطاهري، في تدوينة على حسابه الرسمي على" فيسبوك"، أن وقف السلطات التنفيذية جمع الانخراطات آلياً هو خرق للاتفاقية الدولية رقم 87، والاتفاقية الدولية رقم 151، اللتين تنصان على تقديم تسهيلات لفائدة النقابات للقيام بنشاطها، واصفاً إيقاف هذا الإجراء بأنه" خرق للاتفاقيات الدولية التي أمضت عليها الدولة التونسية وفق معايير العمل الدولية".
واعتبر أن إيقاف الاقتطاع المباشر" إجراء سياسي عقابي" للاتحاد وللعمال، سبق أن أقدمت عليه حكومة" محمد مزالي" عام 1985.
وقال إن" النقابيين جابهوا ذلك سابقاً بحملات توزيع الانخراطات مباشرة داخل المؤسسات وأفشلوا مخططات السلطة، واليوم تتيح الوسائل التقنية الحديثة إمكانات كبيرة لتجاوز القرار".
وتشير دراسات مقارنة حول تمويل النقابات إلى أن اشتراكات الأعضاء تمثل أكثر من 90% من موارد العديد من النقابات في أوروبا، ما يجعل الحفاظ على قاعدة المنخرطين واستمرارية استخلاص الاشتراكات مسألة حيوية لاستقرارها المالي والنقابي.
بعد انتخابها في مارس/ آذار الماضي أقرت قيادة اتحاد الشغل التونسي الجديدة تدابير تقشفية في إطار خطة لخفض الإنفاق داخل المنظمة النقابية التي تواجه ضغوطاً مالية بعد قرار حكومي بوقف الاقتطاع الآلي لانخراطات العمال.
وعقب اجتماعه الأول، في الأول من إبريل/ نيسان، أعلن المكتب التنفيذي الجديد لاتحاد الشغل التونسي الذي يقوده الأمين العام صلاح الدين السالمي لعهدة تدوم خمس سنوات، تبني خطة تقشفية داخلية، شملت إجراءات رمزية وعملية، أبرزها تخلي الأمين العام لاتحاد الشغل التونسي الجديد عن السيارة الوظيفية، إلى جانب تنازل أعضاء المكتب التنفيذي عن المنح المالية التي كانوا يتمتعون بها.
وقال الباحث المهتم بالشأن النقابي صهيب المزريقي، لـ" العربي الجديد"، إنّ" هناك تحديات عدّة أمام قيادة اتحاد الشغل التونسي، أبرزها الحفاظ على نجاعة العمل النقابي في ظل محدودية الموارد، إلى جانب إيجاد صيغ بديلة لتمويل المنظمة، سواء عبر مراجعة نظام الانخراطات أو تنويع مصادر التمويل".
وأكد أنّ" المكتب التنفيذي للاتحاد أمام اختبار صعب، يتمثل بقدرته على تحقيق التوازن بين التقشف الداخلي ومواصلة لعب الدور الاجتماعي والسياسي الذي ظل يضطلع به في تونس، ولا سيما في ظل أزمة اقتصادية واجتماعية خانقة تمرّ بها البلاد".
وتسعى قيادة اتحاد الشغل لترميم وضعها المالي عبر إطلاق حملات في المؤسسات والهياكل الحكومية لحث الموظفين على اقتطاع الاشتراكات السنوية لتعزيز مصادر الدخل، غير أن هذه الحملات لم تعوّض آلية الاقتطاع الآلي التي كانت تدر سيولة منتظمة.
وحاولت سلطات تونس منذ نحو عامين، تحجيم دور الاتحاد العام التونسي للشغل، عبر سابقة إقرار الزيادة في رواتب العاملين في القطاعين، الحكومي والخاص، ومعاشات المتقاعدين لسنوات 2026 و2027 و2028، دون إبرام اتفاق مع النقابات، خلافاً لما جرت عليه العادة في جولات المفاوضات الاجتماعية السابقة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك