يوما بعد يوم، تتراجع معدلات التأييد الشعبي الأمريكي لإسرائيل، بحسب استطلاعات للرأي تجريها مؤسسات بارزة، خاصة داخل القاعدة الديمقراطية وبين فئة الشباب؛ وزاد هذا التحول بصورة غير مسبوقة بعد حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة في أكتوبر 2023.
وفي السياق، أظهر استطلاع أجرته جريدة" نيويورك تايمز" الأمريكية بالتعاون مع مركز سيينا للبحوث، معارضة 74% من الناخبين المؤيدين للحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة تقديم مساعدات عسكرية واقتصادية لإسرائيل، في تحول لافت مقارنة بما قبل الحرب على غزة، حين بلغت نسبة المعارضين 45% فقط.
ماذا تقول نتائج الاستطلاع؟أظهرت نتائج الاستطلاع ارتفاعا كبيرا في نسبة المتعاطفين مع الفلسطينيين داخل القاعدة الديمقراطية، إذ قال 60% من المشاركين إنهم يتعاطفون مع الفلسطينيين، بينهم 41% أكدوا أن تعاطفهم قوي، بينما وصف آخرون تعاطفهم بأنه" إلى حد ما".
وفي المقابل، أعرب 15% فقط عن تعاطفهم مع إسرائيل، بينهم 6% قالوا إن تعاطفهم قوي، فيما ذكر نحو 15% أنهم يتعاطفون مع الطرفين.
وأظهرت نتائج الاستطلاع أن نسبة التعاطف مع الفلسطينيين بين من تزيد أعمارهم على 45 عاما بلغت 49% مقابل 22% لإسرائيل، وهي أعلى نسبة تسجل لهذه الفئة منذ سنوات.
أما بين الفئة العمرية من 18 إلى 44 عاما، فقد ارتفعت نسبة المتعاطفين مع الفلسطينيين إلى 74% مقابل 7% فقط لإسرائيل.
هل يطال الرفض سياسيات ترامب؟فيما يتعلق بطريقة تعامل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، أبدى نحو 90% من المشاركين عدم موافقتهم على أدائه، مقابل 5% فقط قالوا إنهم يؤيدون طريقة تعامله، بينما لم يحدد 5% موقفهم.
وأظهرت النتائج أن نسبة الرافضين لسياسات ترامب بلغت 92% بين الديمقراطيين البيض، مقابل 88% بين غير البيض، بمن فيهم اللاتينيون والسود.
وكشف الاستطلاع أيضا تنامي الانتقادات داخل الحزب الديمقراطي لمستوى الدعم الأمريكي لإسرائيل، إذ رأى 48% من المشاركين أن الحزب بالغ في دعمه لإسرائيل، بينما اعتبر 38% أن موقفه كان متوازنا، وقال 8% فقط إن الدعم لم يكن كافيا.
وأشارت النتائج إلى أن الديمقراطيين أصبحوا أقل ميلا للتدخل الخارجي، إذ دعا 56% منهم إلى التركيز على القضايا الداخلية بدلا من الانخراط في أزمات خارجية، مقارنة بـ37% فقط في استطلاع مشابه أجري عام 2024.
ماذا تعني نتائج الاستطلاع؟تكشف تلك النتائج العديد من التغيرات التي ترسخت في المجتمع الأمريكي خلال الأعوام القليلة الماضية، فضلا عن وجود جيل جديد من الأمريكيين –سواء من اليهود أو غيرهم- وذلك على النحو التالي:أولا: اتساع الفجوة بين المواقف التقليدية الداعمة لإسرائيل داخل المؤسسة السياسية الأمريكية، وبين اتجاهات الرأي العام الجديدة التي أصبحت أكثر تركيزا على قضايا حقوق الإنسان والعدالة الدولية؛ وتحديدا من جانب النشطاء المناهضين للاستعمار والعنصرية، ومجموعات حقوق الإنسان، والذين باتوا أقرب إلى الجانب الفلسطيني من خلال تبني مواقف مناهضة للتمييز العنصري، ودعم ملفات العدالة الاجتماعية.
ثانيا: تعكس النتائج وجود تغيرات أعمق في الثقافة السياسية الأمريكية، وفي نظرة الأجيال الجديدة إلى الصراعات الخارجية ودور الولايات المتحدة في العالم؛ إذ تشاهد الأجيال الأصغر عمرا الحرب مباشرة عبر الهواتف، وليس وسائل الإعلام التقليدي، ما خلق تعاطفا أكبر مع الفلسطينيين بوصفهم" الطرف الأضعف" إنسانيا؛ فضلا عن متابعة الأنشطة الداعمة للحقوق الفلسطينية مثل مبادرات" أسطول الصمود العالمي"، والذي تعرض المشاركون فيه على مدى الأسبوع الماضي –وفي فترات سابقة- لإرهاب دولة ممثلا في قيادات حكومية بارزة وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير.
وهي مواقف تتناقض مع الرواية الإسرائيلية التقليدية التي روجت لها داخل الولاات المتحدة مثل مزاعم" الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط"، وخطاب" الدفاع عن النفس"، و" عقدة المحرقة ومعاداة السامية".
ماذا عن اليهود داخل الحزب الديمقراطي؟توضح النتائج أن اليهود الأمريكيين من أعضاء الحزب الديمقراطي يشعرون بأنهم يفتقرون إلى تمثيل سياسي واضح داخل الحزب، في ظل التحولات المتسارعة في مواقف القاعدة الديمقراطية تجاه إسرائيل والحرب على غزة، وانتشار الاعتصامات ضد إسرائيل، وتوسع حملات المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل، وارتفاع حضور الخطاب المؤيد للفلسطينيين.
ويتضح ذلك بقوة في المشهد السياسي الأمريكي والذي شهد ظهورا لافتا ليساريين ديمقراطيين مناهضين للصهيونية؛ مثل عمدة نيويورك اليساري الديمقراطي زهران ممداني، وعضوة الكونجرس اليسارية المسلمة ذات الأصول الصومالية إلهان عمر، والتي كانت جزءا من موجة من المرشحين التقدميين أطلقت عليها وسائل الإعلام لقب" الفرقة".
هل يتراجع التأييد الرسمي لإسرائيل؟على الرغم من تراجع الدعم الشعبي الأمريكي لإسرائيل، حتى بين اليهود الأمريكيين أنفسهم، إلا أن النخبة السياسية الأمريكية التقليدية -جمهوريين وديمقراطيين- ما زالت داعمة بقوة لإسرائيل جراء ضغط جماعات النفوذ المؤيدة لإسرائيل.
وبحسب تقديرات حكومية أمريكية، زاد الدعم الرسمي الأمريكي العسكري لإسرائيل بعد اندلاع حرب الإبادة الإسرائيلية في غزة في 7 أكتوبر 2023، متجاوزا 21.
7 مليار دولار من المساعدات العسكرية والأسلحة في غضون عامين، بحسب تقديرات جامعة براون الأمريكية.
وفي المحصلة، تكشف نتائج الاستطلاعات الأخيرة عن تحول متسارع في المزاج الشعبي الأمريكي تجاه إسرائيل، خاصة داخل الحزب الديمقراطي وبين فئة الشباب، وهو تحول قد يفرض على المكدى الطويل تغييرات تدريجية في طبيعة وحدود الدعم الأمريكي لإسرائيل، ويمنح القضية الفلسطينية حضورا أكبر داخل النقاش السياسي الأمريكي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك