أعلنت وزارة الخزانة الأميركية عن حزمة عقوبات جديدة طاولت نواباً ومسؤولين في" حزب الله"، وآخرين في حركة" أمل"، إضافة إلى ضابطين من الجيش اللبناني أحدهما مسؤول في جهاز الأمن العام، والسفير الإيراني محمد رضا شيباني، الذي سحبت وزارة الخارجية اللبنانية اعتماده واعتبرته" شخصاً غير مرغوب فيه" وطلبت مغادرته البلاد ولم يفعل.
واتهم المدرجون على اللائحة بـ" عرقلة مسار السلام وتعافي البلاد، وتعطيل نزع سلاح 'حزب الله'، وخدمة الأجندة الإيرانية".
وشكلت هذه العقوبات سابقة من نوعها بإدراج ضباط في الخدمة الفعلية في الجيش اللبناني للمرة الأولى، مما أضفى على القرار أبعاداً عدة تتصل بهوية المستهدفين ومراكزهم الحزبية والأمنية والعسكرية والسياسية.
وقرأ مراقبون في هذا القرار أن واشنطن تنقل المعركة من الضغط المباشر على" حزب الله" إلى تفكيك شبكة الحماية السياسية والأمنية المحيطة به داخل مؤسسات الدولة اللبنانية، مع رسالة واضحة مفادها أن الانتماء إلى مؤسسة رسمية لا يشكل درعاً واقية لمن يخدم أجندة الحزب.
وحمل القرار الأميركي في طياته رسالة ثلاثية الأبعاد موجهة في آن إلى: رئيس مجلس النواب نبيه بري ومحيطه المباشر، والمؤسسة العسكرية، وطهران التي يجسد إدراج سفيرها لدى اللائحة ذاتها رمزية دبلوماسية لافتة.
وتوقف المراقبون عند توقيت القرار الذي جاء قبل أسبوع من انطلاق المفاوضات العسكرية المباشرة في واشنطن، المقررة في الـ29 من مايو (أيار) الجاري في مبنى البنتاغون.
وفسرت مصادر دبلوماسية في واشنطن هذا التوقيت بأنه تأكيد أن المفاوضات لن تكون سهلة، وأن" التذاكي" الذي يمارسه بعض الأطراف اللبنانية بهدف إنهاء الحرب من دون أي تغيير وإعادة الوضع إلى ما كان عليه لم يعد مقبولاً، وأن الإدارة الأميركية ستتحقق من كل تعهد يقطعه لبنان وستتصرف وفقاً لذلك.
المدرجون على لائحة العقوبات تسعة أشخاص، وصفتهم وزارة الخارجية الأميركية بأنهم يسهلون عمل" حزب الله" ويقوضون سيادة لبنان، وقد صنفتهم اللائحة في فئتين: الأولى تحت عنوان" الممثلون السياسيون للحزب"، وتضم النواب الحاليين حسن فضل الله وإبراهيم الموسوي وحسين الحاج حسن، فضلاً عن النائب والوزير السابق رئيس المجلس التنفيذي الحالي لـ" حزب الله" محمد فنيش.
أما الفئة الثانية، المسماة" الشركاء الأمنيون والسياسيون لـ’حزب الله‘"، فتضم السفير الإيراني محمد رضا شيباني الذي أعلنت الخارجية اللبنانية أنه" شخص غير مرغوب فيه"، وأيضاً المسؤول الأمني لحركة" أمل" أحمد بعلبكي المتهم بالتنسيق مع الحزب لاستعراض القوة وترهيب الخصوم السياسيين، وقائد حركة" أمل" في جنوب لبنان، علي أحمد صفاوي، الذي يعمل تحت إمرة بعلبكي ويتهم بالتنسيق مع الحزب في شن هجمات وعمليات عسكرية مشتركة ضد إسرائيل.
وأدرج أيضاً اسم رئيس دائرة الأمن القومي في المديرية العامة للأمن العام، العميد خطار ناصر الدين، بتهمة مشاركة معلومات استخباراتية حساسة مع" حزب الله" خلال النزاع في العام الماضي، ورئيس فرع الضاحية في مديرية الاستخبارات التابعة للجيش اللبناني، العقيد سمير حمادة بالتهمة ذاتها.
وكانت وزارة الخزانة الأميركية قد أكدت في بيانها الرسمي أن" حزب الله" تلقى دعماً غير مشروع من داخل أجهزة أمنية رسمية لبنانية زودته بمعلومات استخباراتية خلال النزاع الأخير.
وأكد وزير الخزانة سكوت بيسنت أن" 'حزب الله' منظمة إرهابية يجب نزع سلاحها بالكامل"، مضيفاً أن وزارته ستواصل اتخاذ الإجراءات اللازمة ضد المسؤولين الذين تسللوا إلى الحكومة اللبنانية ويمكنون الحزب من مواصلة حملته العنيفة ضد الشعب اللبناني وعرقلة السلام الدائم.
وفي بيان منفصل، أعلنت الخزانة عن مكافأة تصل إلى 10 ملايين دولار لقاء معلومات تؤدي إلى تعطيل الآليات المالية للحزب.
يعد استهداف شخصيات من الحلقة المقربة مباشرة من رئيس مجلس النواب نبيه بري رسالة سياسية شديدة اللهجة لحلفاء الحزب.
وبما أن بري نفسه لم يطل بالعقوبات حتى الآن، يذهب محللون إلى القول إن واشنطن تضيق الخناق عليه تدريجاً وتختبر استعداده للتكيف مع المتطلبات الأميركية.
وتتصل هذه الرسالة مباشرة بالمفاوضات الجارية بين إسرائيل ولبنان ودور بري فيها، إذ يرفض التفاوض المباشر ويصر على أجندة تفاوضية محددة تبدأ من وقف إطلاق النار والانسحاب، فيما أحجم عن المشاركة في أي وفد تفاوضي أو تغطيته علناً.
وعليه، فإن الرسالة الأميركية واضحة: من يعطل مسار السلام لن يكون بمنأى عن التبعات.
ويذكر أن بعلبكي وصفاوي، المدرجين على اللائحة، ينتميان إلى الدائرة اللصيقة ببري ويعدان من أكثر المقربين منه على الصعيدين الأمني والسياسي.
وهذه ليست المرة الأولى التي تطاول فيها العقوبات محيط بري، ففي عام 2020، فرضت الخزانة الأميركية عقوبات على معاونه السياسي النائب الحالي ووزير المال السابق، علي حسن خليل، بتهمة دعم" حزب الله" والتورط في الفساد.
وإن كانت الرسالة الأبلغ سياسياً موجهة إلى بري بصفته المزدوجة رئيساً للمجلس وزعيماً لـ" أمل" وشخصية شيعية وازنة، غير أن الرسالة الأخطر دلالة، هي تلك التي وصلت إلى قائد الجيش العماد رودولف هيكل في توقيت بالغ الحساسية، عشية إطلاق المسار التفاوضي العسكري في واشنطن وفي خضم وضع اللمسات الأخيرة على تشكيل الوفد العسكري المفاوض، الذي سيضم وفق المعلومات المتاحة ضابطاً شيعياً هو العميد وائل عباس.
وكشفت مصادر دبلوماسية أن الإدارة الأميركية أبلغت الجانب اللبناني رفضها أن يضم الوفد العسكري أي شخصية تدور حولها علامات استفهام، لا سيما في ما يخص العلاقة مع" حزب الله".
وسبق أن سلطت واشنطن الضوء على مسؤول استخبارات الجيش في الجنوب، العميد سهيل حرب، الذي رافق قائد الجيش في زيارته إلى واشنطن، وكان وجوده غير مرحب به أميركياً، قبل أن ينقل إلى اليرزة (مقر وزارة الدفاع) ليشغل منصب نائب مدير استخبارات الجيش.
وإذ انتقدت واشنطن في أكثر من مناسبة بطء تنفيذ خطة حصر السلاح بيد الجيش اللبناني، فإن إدراج ضباط عسكريين حاليين في لائحة العقوبات يحمل رسالة صريحة للمؤسسة العسكرية: الحياد الملتبس لم يعد مقبولاً، ومن يسهم في الحفاظ على نفوذ" حزب الله" داخل الجيش سيتحمل تبعات شخصية.
يرى النائب السابق، العميد المتقاعد وهبة قاطيشا، أن الإدارة الأميركية التي أمسكت بالملف اللبناني شرعت في استهداف ما يسمى" الدولة العميقة" عبر هذه العقوبات، التي تطاول موظفين في الأجهزة الأمنية والعسكرية يعملون لمصلحة" حزب الله"، سواء في ملفات جوازات السفر أو الاستخبارات.
ويشير قاطيشا إلى أن" بعلبكي المدرج على اللائحة يعد بمثابة الذراع المالية لبري ولحركة أمل".
ويصف القرار بأنه" كرة ثلج ستنعكس على المفاوضات المرتقبة بمساريها العسكري والسياسي"، متوقعاً" توسع دائرة العقوبات في المرحلة المقبلة لتشمل شخصيات سياسية وعسكرية أوسع، في رسالة ضاغطة تدفع الدولة وقيادة الجيش إلى إبعاد كل من يعرقل المسار التفاوضي".
وينبه قاطيشا إلى أن" الإبقاء على الضباط المدرجين في مناصبهم قد يعرض رؤساءهم لتبعات قانونية"، متسائلاً" هل تكون واشنطن قد انطلقت في عملية ممنهجة لتهميش من تعتبرهم قريبين من 'حزب الله' عبر العقوبات، بما يجعل التواصل معهم متعذراً ويفضي تلقائياً إلى إقصائهم من المؤسسة العسكرية؟ ".
من جهته، يرى مدير مركز الاستشراف للمعلومات الدكتور عباس ضاهر أن" استهداف نواب 'حزب الله' ليس جديداً في حد ذاته، إذ يتعرض سياسيو الحزب للعقوبات منذ عقود"، بيد أن اللافت، في رأيه، هو إدراج شخصية من الدائرة الأساسية لبري وضابطين عسكري وأمني على اللائحة ذاتها.
ويربط ضاهر هذا التوقيت مباشرة بجلسات التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل المقررة نهاية الشهر الجاري، والتي لم يغط بري حتى اللحظة أي مسؤول سياسي أو دبلوماسي أو عسكري، شيعي تحديداً، للمشاركة فيها.
ويؤكد أن" العقوبات رسالة مباشرة تلوح باستهداف دور بري في هذا الملف"، غير أنه يستدرك بأن" الحاجة الدولية والأميركية تحديداً لا تزال تقتضي الإبقاء على دور بري، بوصفه الشخصية الشيعية الوازنة الوحيدة التي تتيح التواصل الدولي والداخلي في آن"، أما الجزء المتعلق بضباط الجيش والأمن العام فيرى فيه ضاهر" رسالة موجهة لكل الضباط الشيعة، لتحذيرهم من الانجرار وراء توجهات 'الثنائي الشيعي' في مسألة التفاوض وما يتبعها من مسارات".
كيف ردت" أمل" و" حزب الله"في المقابل، جاءت الردود الأولية من أوساط" أمل" و" حزب الله" متشابهة في مضمونها، ومفادها أن هدف العقوبات واضح، لكنها لن تجدي نفعاً، بل ستزيد بري تمسكاً بمواقفه.
ورأى الطرفان أن توقيت العقوبات وهوية المستهدفين يجسدان ضغطاً على بري الرافض للتفاوض المباشر وللسلام مع إسرائيل، وعلى قائد الجيش الذي يرفض المواجهة مع" المقاومة"، واستخدام الجيش في تنسيق مباشر مع إسرائيل ضد" حزب الله" في الجنوب.
وأصدرت حركة" أمل" بياناً وصفت فيه القرار بأنه" غير مبرر" ويستهدف" دور الحركة السياسي الحريص على القضايا الوطنية وحماية الدولة والمؤسسات".
أما" حزب الله" فاعتبر في بيانه أن العقوبات" محاولة ترهيب للشعب اللبناني الحر لتدعيم العدوان الصهيوني"، مشيراً إلى أن استهداف الضباط اللبنانيين هو" محاولة مكشوفة لترهيب المؤسسات الأمنية الرسمية وإخضاع الدولة لشروط الوصاية الأميركية".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك