يؤكد أدونيس في مشروعه الفكري «الثابت والمتحول» أن عبد الرحمن الكواكبي قد سلك منهجاً نقدياً في مواجهة الاستبداد، فهو لدى أدونيس صاحب فكر إصلاحي، إذ إنه شخّص الحاضر وأعراضه، ليستنتج أن سبب الخلل هو الجهل الشامل، ثم لام الأمراء والعلماء والكافة لتقاعسهم عن فعل ما يقود إلى النهضة.
وبوجه عام حدّد الكواكبي أسباب الانحطاط في تحول السياسة من نيابية اشتراكية ديمقراطية إلى ملكية أشبه بالمطلقة، واستعمال المسلمين بأسهم بينهم، وتأصل الجهل في أغلبية حكامنا المترفين.
واعتبر الكواكبي أن قضية المفكر اليوم هي التعرّف بعمق وشمول على مجتمعه وقضاياه، في الماضي والحاضر، وذلك بالاستناد إلى واقعه المتحرّك المتناقض والمتنوع وليس بالاستناد إلى معجم المصطلحات الغربية، ونادى بأن يأخذ المسلمون بأسباب القوة، اقتصادياً وعلمياً وعسكرياً وسياسياً.
ولأن الكواكبي قد أعطى أفكاره بعداً تحريضياً، ونظر إلى النص القرآني على أنه نص مفتوح قابل للتلاؤم مع واقع الحياة المستجدة وتجاوز المذهبية، التي تأسر النص ضمن منظورها وتقاوم أي منظور مخالف، فهو لدى أدونيس يمثل استمرار التحول (الإبداع) في الثقافة العربية، بينما يمثل ابن عبد الوهاب استمرار الثابت (الاتباع).
وينتهي مشروع أدونيس إلى المطالبة بعدم فصل الحداثة العربية عن تيار الحداثة في العالم، لأن التفاعل والتبادل هما من أهم خصائص الثقافة العربية منذ نشوئها.
وفي نظره «إرادة الفصل باسم الأصالة حيناً وباسم التراث حيناً آخر، هي في التحليل الأخير ضد الأصالة وضد التراث».
وفي هذا الشأن، يرى أن إعادة تقويم الثقافة العربية تتطلب «أولاً إعادة تقويم النتاج الثقافي القديم ذاته، وثانياً إعادة تقويم المفاهيم والنظريات التي تولّدت عن هذا النتاج، وثالثاً إعادة النظر في إعادة النظر السابقة، ورابعاً تقويم النتاج الثقافي الراهن، وخامساً رسم الصورة الممكنة في ضوء هذا كله للثقافة العربية الحديثة المقبلة».
ويؤكد أدونيس أن بحث القضايا السابق ذكرها، يجب أن يتم في ضوء عدة مبادئ، أولها هو القيام بتغيير جذري شامل للمجتمع العربي، يتضمّن تغيير الإنسان من أعماقه البعيدة، بتغيير نظام حياته وفكره، وثانيها يرتبط بوضع مفهوم للثقافة أكثر شمولاً من المفاهيم التقليدية السائدة وأكثر جذرية، بحيث تصبح هي ممارسة التحرّر بشتى صوره وعلى مختلف مستوياته، بما لا يقتصر على تلبية الاحتياجات، بل يمتد إلى الاستجابة للرغبات، وثالثها يتمثل في عدم الاعتماد على الصراع الأيديولوجي والتغيير السياسي فقط في تجاوز الثقافة الموروثة، ورابعها يتعلق بالبحث عن الجذور التي تنهض عليها العلاقات التي تُمثل للشعب العربي مجموع رموزه الحياتية والفكرية، نظراً لأن تغيير الثقافة العربية لا يتم إلا ضمن إنتاج سياق جديد، يختلف كلية عما هو موجود حالياً.
لكن كيف يتم إيجاد هذا السياق الجديد؟ يجيب أدونيس على هذا التساؤل بشكل غير مباشر، من خلال مطالبته بإعادة النظر إلى النتاج الثقافي بذاته، بمعزل عن المنظور الديني العقدي، والنظر إلى الفكر الديني كنتاج ثقافي، وعدم السماح لأي مؤسسة، سواء كانت اجتماعية أو سياسية أو ثقافية، بأن تعد التراث كأنه إرثها الخاص، وليس لها -كمؤسسة- أن تجيز أو تسمح باسم التراث، فهي وسيط لا غير، كما أن التراث نفسه ليس كاملاً ولا مقياساً مطلقاً، ولا حاكماً، وهو غير ملزم، لأنه حقل ثقافي عمل فيه وأنتج فيه بشر مثلنا يخطئون ويصيبون، يبدعون ويبتدعون.
وبذلك يكون من حقنا أن ننتج حقلنا الثقافي والاجتماعي الخاص بنا، الذي يتلاءم مع معطيات عصرنا، وينهض بتبعاته الجسام، وأن ننفذ إلى النص الأصلي الذي يستند إلى الوحي، لنقرأه بعقل جديد في ضوء واقعنا المتطور، ونزيح في طريقنا النصوص التي أنتجها الفقهاء على مدار القرون الماضية، والتي يريد كثيرون أن يلزمونا بها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك