لم تعد قوة الدول تقاس فقط بما تمتلكه من أسلحة أو إمكانيات اقتصادية، بل بقدرتها على توفير غذاء شعوبها وتأمين احتياجاتهم الأساسية، فالدول التي تعجز عن إنتاج غذائها تظل دائماً رهينة للضغوط الخارجية، معرضةً في أي لحظة لأزمات قد تهدد استقرارها وحياة مواطنيها، خاصةً في ظل وجود قوى دولية تستخدم الغذاء كسلاح سياسي، تمنحه لمن يخضع لإرادتها وتحجبه عن الدول التي تتمسك باستقلال قرارها وسيادتها الوطنية.
ومنذ توليه المسؤولية، أدرك الرئيس عبد الفتاح السيسي خطورة هذا الملف، فتبنى رؤية شاملة لتحقيق الأمن الغذائي، ليس فقط عبر الوصول إلى الاكتفاء الذاتي، بل بتحويل مصر إلى دولة قادرة على التصدير أيضاً، وخلال الأيام الماضية، تحدث الرئيس عن واحد من أضخم المشروعات الزراعية والاستثمارية في العالم، وهو مشروع الدلتا الجديدة، الذي يستهدف إضافة 2.
2 مليون فدان ويوفر حوالي 2 مليون فرصة عمل، والمشروع في حد ذاته معجزة هندسية شارك فيها عمال ومهندسون، ونذكر على سبيل المثال وليس الحصر أن مواسير المياه المستخدمة في هذا المشروع تعادل طول سور الصين العظيم، الأمر الذي عكس إصرار الدولة على بناء مستقبل أكثر أمناً واستقراراً للأجيال المقبلة، وترسيخ قدرة مصر على امتلاك قرارها الوطني بعيداً عن أي ضغوط أو ابتزاز خارجي.
وخلال افتتاح المشروع، حرص الرئيس السيسي على استعراض حجم الجهد المبذول في تنفيذ هذا الكيان التنموي العملاق، مؤكداً أن الحديث عن الدلتا الجديدة لا يقتصر على استصلاح الأراضي فقط، بل يشمل منظومة متكاملة من البنية التحتية وشبكات المياه، والكهرباء، والطرق، ومحطات الرفع، والمعالجة، التي تم تنفيذها وفق أحدث المعايير الهندسية والزراعية.
وأوضح الرئيس أن المشروع سوف يسهم في زيادة الإنتاج المحلي وتقليل الفجوة الغذائية، خاصةً في ظل التحديات الاقتصادية العالمية واضطرابات سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار الغذاء عالمياً.
وأشار إلى أن تنفيذ المشروع تطلب إنشاء مسارات مائية عملاقة بطول يصل إلى 150 كيلومتراً لنقل مياه الصرف الزراعي إلى محطة «3 يوليو»، حيث تتم معالجتها معالجة ثلاثية متطورة قبل إعادة استخدامها في الزراعة، في خطوة تعكس توجه الدولة نحو تعظيم الاستفادة من الموارد المائية وعدم إهدارها.
وأشار الرئيس السيسي إلى أن تكلفة تجهيز الفدان الواحد داخل المشروع تتراوح بين 350 و400 ألف جنيه، مشيراً إلى أن إجمالي استثمارات المشروع يقترب من 800 مليار جنيه، وهو ما يعكس حجم ما تتحمله الدولة من أجل تحقيق التنمية وتأمين الاحتياجات الغذائية للمواطنين.
كما كشف الرئيس عن حجم البنية التحتية الضخمة التي أقيمت لخدمة المشروع، والتي شملت إنشاء شبكة طرق جديدة بطول نحو 12 ألف كيلومتر، إلى جانب شبكات كهرباء ضخمة تضم أكثر من 100 ألف برج كهربائي.
في نفس الوقت، أكد خبراء ومتخصصون أن مشروع الدلتا الجديدة يمثل أحد أهم المشروعات القومية التي تعزز قدرة الدولة المصرية على مواجهة التحديات الاقتصادية العالمية، من خلال دعم التوسع الزراعي وتحقيق الأمن الغذائي وفتح آفاق واسعة أمام التنمية المستدامة.
وأشاروا إلى أن المشروع لا يقتصر فقط على استصلاح الأراضي وزيادة الرقعة الزراعية، بل يمتد ليشكل قاعدة قوية لتنمية التصنيع الزراعي والصناعات الغذائية، بما يسهم في جذب المزيد من الاستثمارات المحلية والأجنبية، وزيادة القيمة المضافة للإنتاج الزراعي، إلى جانب تعزيز قدرة الدولة على تحقيق الاكتفاء الذاتي من المحاصيل الاستراتيجية وتقليل الاعتماد على الاستيراد.
ويعكس مشروع الدلتا الجديدة رؤية الدولة المصرية نحو بناء نموذج تنموي متكامل يعتمد على التوسع الزراعي واستغلال الموارد المتاحة بأعلى كفاءة ممكنة، بما يعزز الأمن الغذائي ويدعم خطط التنمية الشاملة، ويؤكد استمرار الدولة في تنفيذ مشروعات قومية كبرى رغم مختلف التحديات الإقليمية والدولية.
وأوضح الخبراء أن المشروع يدعم إنشاء مجتمعات عمرانية وصناعية وخدمية متكاملة، تعتمد على أحدث نظم الزراعة والري والبنية التحتية الحديثة، الأمر الذي يعزز فرص العمل ويدفع عجلة التنمية الاقتصادية في مختلف القطاعات.
كما أكدوا أن الدلتا الجديدة تمثل خطوة استراتيجية نحو تقليل الاعتماد على الاستيراد، وتعزيز الإنتاج المحلي، وتحقيق تنمية متوازنة تسهم في بناء اقتصاد أكثر قدرة على مواجهة المتغيرات الإقليمية والدولية.
كل هذا يقربنا من الحلم المصري، حلم كل الأجيال، في أن تعود مصر كما كانت منذ بداية التاريخ، سلة الغذاء العالمي، ونحقق الاكتفاء الذاتي في السلع الاستراتيجية، وعلى رأسها القمح، لكي نظل دائماً نمتلك قرارنا، ولا نخضع لأي ضغوط أو ابتزاز.
وفي النهاية، يبقى مشروع الدلتا الجديدة شاهداً على أن مصر لا تتحرك فقط لبناء مشروع زراعي، بل لتأسيس دولة قوية تمتلك قرارها وغذاءها ومستقبلها، فوسط عالم تتساقط فيه الدول تحت أزمات الغذاء والحروب والضغوط الاقتصادية، اختارت مصر أن تواجه التحديات بالفعل والعمل، وأن تحول الصحراء إلى شريان جديد للحياة والإنتاج والأمل، وما يحدث اليوم ليس مجرد استصلاح ملايين الأفدنة، بل كتابة فصل جديد في تاريخ وطن قرر أن يعتمد على سواعد أبنائه وإرادته، وأن يثبت أن الجمهورية الجديدة لا تعرف المستحيل، وأن مصر حين تقرر تنجز.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك