طرابلس – «القدس العربي»: عاد ملف العدالة والمساءلة في ليبيا إلى واجهة النقاش السياسي والحقوقي خلال الأيام الأخيرة، بالتزامن مع تطورات قضائية داخلية وخارجية أثارت جدلا واسعا بشأن واقع القضاء الليبي، وحدود المحاسبة، وإمكانية تحقيق العدالة في ظل الانقسام السياسي والأمني المستمر في البلاد.
وجاء ذلك بالتوازي مع حراك سياسي ودبلوماسي متجدد بشأن الأزمة الليبية، بعد انعقاد اجتماع آلية التشاور الثلاثية بين مصر وتونس والجزائر في القاهرة، وسط استمرار المساعي الإقليمية والدولية للدفع نحو تسوية سياسية شاملة تقود إلى الانتخابات وتوحيد المؤسسات.
وفي هذا السياق، استحوذت جلسات المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بالقيادي السابق في جهاز الردع خالد الهيشري على اهتمام واسع داخل ليبيا، بعد انتهاء جلسات تأكيد التهم الموجهة إليه في لاهاي، والمتعلقة بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بحق محتجزين داخل سجن معيتيقة خلال السنوات الماضية.
ويواجه الهيشري 17 تهمة، بينها 6 تهم مرتبطة بجرائم حرب و11 تهمة تتعلق بجرائم ضد الإنسانية، وفق ما عرضه الادعاء أمام المحكمة الجنائية الدولية، الذي استند إلى شهادات ضحايا وحراس سابقين ومواد توثيقية قال إنها تكشف نمطا واسعا من الانتهاكات داخل مراكز الاحتجاز التابعة لجهاز الردع.
وتضمنت جلسات الاستماع شهادات حول التعذيب والاحتجاز التعسفي والعنف الجنسي بحق رجال ونساء وأطفال، في وقت اعتبر فيه حقوقيون ليبيون أن هذه الانتهاكات لا تقتصر على سجن معيتيقة فقط، بل تمتد إلى مراكز احتجاز وسجون أخرى في عدة مدن ليبية، وسط غياب المساءلة بحق عدد كبير من المتورطين في تلك الانتهاكات.
وفي موازاة ذلك، تقدم فريق الدفاع عن آمر جهاز الشرطة القضائية السابق أسامة نجيم بطعن أمام المحكمة الجنائية الدولية، طالب فيه بإحالة القضية إلى القضاء الليبي، استنادا إلى مبدأ التكامل المنصوص عليه في نظام روما الأساسي، معتبرا أن محاكمته يجب أن تتم داخل ليبيا وليس أمام المحكمة الدولية.
ويأتي هذا الجدل القانوني بالتزامن مع حالة واسعة من الانقسام في الشارع الليبي عقب الأحكام الأخيرة الصادرة عن محكمة استئناف طرابلس، والتي قضت بإنهاء الملاحقة القضائية بحق سيف الإسلام القذافي، إلى جانب تبرئة 25 من قيادات النظام السابق من التهم المتعلقة بقمع المتظاهرين خلال أحداث فبراير 2011.
وشملت الأحكام شخصيات بارزة من رموز النظام السابق، من بينهم عبدالله السنوسي، والبغدادي المحمودي، ومنصور ضو، ومحمد بلقاسم الزوي، وأبوزيد دوردة، وعبدالحفيظ الزليتني، ما أثار ردود فعل متباينة بين مرحب بالأحكام باعتبارها تصحيحا لمسار قضائي طويل، وبين من اعتبرها دليلا على ضعف منظومة العدالة الانتقالية وعجز القضاء عن تحقيق الإنصاف للضحايا.
ورغم صدور حكم البراءة في قضية فبراير، لا يزال عبدالله السنوسي يواجه اتهامات تتعلق بملف سجن أبوسليم عام 1996، والذي قتل فيه أكثر من 1200 سجين، فيما أعربت رابطة أهالي ضحايا مجزرة أبوسليم عن رفضها للأحكام الأخيرة، مؤكدة أن القضية ما تزال مرتبطة بوقائع موثقة وشهادات وأدلة تعتبرها كافية لإثبات المسؤولية.
ويرى متابعون أن تزامن هذه الملفات القضائية مع استمرار الانقسام السياسي والأمني أعاد طرح تساؤلات قديمة حول استقلالية القضاء الليبي، وقدرته على العمل بعيدا عن التجاذبات السياسية والنفوذ المسلح، خاصة مع استمرار نفوذ التشكيلات المسلحة في عدة مدن ومناطق داخل البلاد.
المشهد الليبي، في ظل استمرار الانقسام بين المؤسسات، وتعثر التوافق على قاعدة دستورية وقوانين انتخابية نهائية، إلى جانب استمرار التوترات الأمنية والجدل المتواصل حول ملفات العدالة والمحاسبة، ما يعكس حجم التعقيدات التي ما تزال تعرقل الوصول إلى تسوية شاملة ومستقرة في البلاد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك