نعرف أحيانًا أن القصة مبالغ فيها، وربما غير صحيحة بالكامل، ومع ذلك نكمل سماعها.
حكاية عن بيت مسكون، صدفة لا تُصدق، شخص نجا بطريقة عجيبة، سر غامض، أو رواية شعبية لا يملك أحد دليلًا عليها.
فلماذا نحب هذه القصص حتى ونحن نشكّ فيها؟لا يتعلق الأمر بالتصديق وحده.
القصص الغريبة تمنحنا شيئًا آخر: الدهشة.
وهي دهشة نادرة في يوميات مكررة، حيث معظم الأشياء مفهومة أو قابلة للتفسير.
تأتي الحكاية الغريبة لتفتح بابًا صغيرًا في الجدار العادي، وتقول لنا إن العالم ربما أوسع مما نظن.
وجاذبية القصة الغريبة لا تأتي دائمًا من أنها حقيقية، وإنما من أنها ممكنة في الخيال.
نحن لا نحتاج إلى تصديقها بالكامل كي نستمتع بها.
يكفي أن نمنحها لحظة من الاحتمال: ماذا لو حدث هذا فعلًا؟وهذه المسافة بين الشك والتصديق هي سر المتعة.
لو كانت القصة مؤكدة تمامًا، لفقدت جزءًا من غرابتها.
ولو كانت مستحيلة تمامًا، لصارت نكتة أو خرافة واضحة.
أما القصص التي تبقى في المنطقة الرمادية، فهي الأكثر قدرة على جذبنا.
والحياة اليومية مليئة بالتكرار: العمل، الطريق، الأخبار، الرسائل، الالتزامات.
القصص الغريبة تكسر هذا الإيقاع.
تمنحنا شيئًا نرويه للآخرين، شيئًا يصلح لأن يبدأ بجملة: " هل سمعت ما حدث؟ ".
وفي هذه اللحظة، لا تكون القصة مجرد محتوى، وإنما وسيلة اجتماعية.
نحن نروي الغريب كي نرى دهشة الآخرين، ونشاركهم متعة التعليق والشك والضحك والخوف الخفيف.
لهذا تنتشر الحكايات الغريبة بسرعة.
ليست لأنها الأكثر دقة دائمًا، وإنما لأنها تمنح الناس مادة للكلام.
والحقائق مهمة، لكنها لا تشبع كل حاجاتنا للمعنى.
الإنسان لا يعيش بالمعلومات وحدها؛ يحتاج إلى حكايات.
والقصص الغريبة تمنح العالم طابعًا دراميًا: بداية، لغز، توتر، نهاية مفتوحة.
وحتى عندما يكشف العلم تفسيرًا لظاهرة غريبة، يبقى جزء من الناس متعلقًا بالحكاية الأولى.
ليس لأنهم يرفضون الحقيقة بالضرورة، وإنما لأن التفسير قد يكون أقل إثارة من الغموض.
والغموض أحيانًا أجمل من الحل، أو على الأقل أكثر قابلية للتداول.
وبعض القصص الغريبة تمنحنا خوفًا آمنًا.
نسمع عن مكان مخيف ونحن جالسون في بيت دافئ.
نشاهد قصة غامضة ونحن نعرف أننا نستطيع إغلاق الشاشة.
هذا النوع من الخوف لا يهددنا فعليًا، لكنه يوقظ الانتباه.
وربما لهذا ننجذب إلى قصص الأشباح، المدن المهجورة، الأسرار القديمة، والاختفاءات الغامضة.
إنها تجعل القلب ينتبه من دون أن تفرض علينا خطرًا حقيقيًا.
وتجعلنا القصص الغريبة أيضًا نختبر قدرتنا على الشك.
نسأل: هل هذا صحيح؟ من رواه؟ هل هناك دليل؟ هل يمكن تفسيره بطريقة أخرى؟بهذا المعنى، لا تكون الحكاية الغريبة دائمًا عدوة التفكير النقدي.
قد تكون فرصة لتدريبه، إذا تعاملنا معها بفضول لا بسذاجة.
والمشكلة تبدأ حين نخلط بين المتعة والحقيقة، أو حين تتحول القصة الغريبة إلى تضليل يضر بالناس.
أما الحكاية التي نعرف أنها حكاية، ونستمتع بها ضمن حدودها، فهي جزء قديم من حاجة الإنسان إلى الدهشة.
ولأن العالم يحتاج إلى قدر من الغرابة كي لا يصبح مسطحًا بالكامل.
نحن نحب أن نعرف، لكننا نحب أيضًا أن نتعجب.
نحتاج إلى العلم كي نفهم، وإلى الحكاية كي نشعر بأن الفهم ليس نهاية الخيال.
لذلك، سنظل ننجذب إلى القصص الغريبة، حتى حين لا نصدقها كلها.
فهي تمنحنا فرصة صغيرة لنقول: ربما لا يزال في هذا العالم ما يستحق الدهشة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك