«أن تكون صحافيا أمر لا يحميك من الاغتيال».
(الرئيس الفلبيني رودريغو ديتورتي)تظل حرية الصحافة إحدى الأسس المتينة التي تقوم عليها المجتمعات الديمقراطية الحديثة، فهي ليست مجرد حق من حقوق الإنسان، بل هي الضامن لشفافية المعلومات ومحاربة الفساد، والصوت الذي يترجم معاناة الشعوب وتطلعاتها.
ولا تكتمل هذه الحرية من دون توفير الحماية الكافية للصحافيين، الذين يضطلعون بمهمة نبيلة، لكنها محفوفة بالمخاطر، إذ يتعرضون في كثير من البلدان للاعتداءات الجسدية والمعنوية والتهديدات، ما ينذر بتراجع خطير في مكاسب الحقيقة والعدالة.
حماية الصحافيين ليست مجرد التزام قانوني أو واجب أخلاقي، بل هي استثمار في وعي الجماعات، ورهان على مستقبل لا تُدفن فيه الوقائع تحت رماد الخوفوفي هذا السياق، تعكس الأرقام التي توثقها المؤسسات المهنية المستقلة، واقعا مقلقا.
فكما جاء في بلاغ نقابة الصحافيين التونسيين: «سجلت وحدة الرصد بمركز السلامة المهنية التابع لنقابة الصحافيين التونسيين، ارتفاعا في عدد الاعتداءات المسلطة على الصحافيين خلال شهر أبريل 2026 مقارنة بالأشهر الثلاثة الأولى من السنة.
وقد وثقت الوحدة 18 اعتداءً استهدفت الصحافيين والمصورين الصحافيين من أصل 20 إشعارا تلقتها عبر الاتصالات الهاتفية، ومتابعة منصات التواصل الاجتماعي، والتواصل المباشر مع الصحافيين، وفق بلاغ صادر عن النقابة.
»هذه الأرقام ليست مجرد أرقام جافة، بل تنبئ بمناخ من الخوف والترهيب يهدد قدرة الصحافيين على أداء رسالتهم.
وتستدعي هذه الاعتداءات المتصاعدة وقفة جادة على ضوء المواثيق الدولية، التي تؤكد بوضوح على حق الصحافيين في التمتع بسلامة جسدية ومعنوية، وتلزم الدول بحمايتهم من التهديدات والاعتداءات أينما وقعت.
فالمادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والمبادئ التوجيهية للأمم المتحدة بشأن حماية الصحافيين، تؤسسان لإطار قانوني وأخلاقي يجرم انتهاك حقوق العاملين في مجال الإعلام، ويعتبر أي اعتداء عليهم اعتداء على حق الجمهور في المعرفة.
في عالم يموج بالصراعات والتضليل الإعلامي، يبقى الصحافيون الحراس الأخيرين للكلمة الصادقة.
وحمايتهم ليست رفاهية أخلاقية، بل واجب إنساني وقانوني، لأن كل صحافي يُصمت، وكل صحافية تُهدد، إنما هو ضوء يُطفأ في وجه الإنسانية جمعاء.
وحين نحمي الصحافيين، فإننا لا نحمي مهنة فقط، بل نحمي مستقبل الحقيقة ذاته.
وهكذا، يظل السؤال المعلّق في سماء كل مجتمع يزعم التمدن: كيف للحقيقة أن تُسمع إن سكتت الأفواه الحارسة لها؟إن حماية الصحافيين ليست مجرد التزام قانوني أو واجب أخلاقي، بل هي استثمار في وعي الجماعات، ورهان على مستقبل لا تُدفن فيه الوقائع تحت رماد الخوف.
فكل صحافي يُحمى هو نافذة أخرى تُشرع في وجه الظلام، وكل قلم يبقى حراً هو شاهد على أن الإنسانية لم تفقد بعد بوصلة العدالة.
فلنحمهم، لا لأنهم صوتنا فقط، بل لأن الحقيقة عندما تسقط، يسقط معها معنى أن نكون بشرا.
وهكذا، تظل حماية الصحافيين اختبارا حقيقيا لمدى صدق المجتمعات في دفاعها عن الحرية.
فكل صحافي يُعتدى عليه ليس مجرد خبر عابر، بل جرح في جسد الحقيقة، وكل قلم يُكتم هو باب يغلق في وجه الغد.
وإذا كنا نريد لديمقراطياتنا أن تتنفس، فلنترك لأصحاب الكلمة أن يتكلموا بلا خوف، ولنذكر أن الظلام لا ينهزم إلا بشموع تُضاء، لا بأضواء تُطفأ.
والحقيقة، حين تُدفن، تتحول إلى أسطورة.
أما حين تُحمى، تصبح تاريخا للإنسانية لا يُنسى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك