غزة – لم تنتهِ الحرب بالنسبة لآلاف الجرحى والمصابين في قطاع غزة، فمع توقف القصف في محيطهم أو خروجهم أحياء من تحت الأنقاض، ما تزال شظايا القذائف مستقرة داخل أجسادهم كقنابل صامتة، تفتك بهم ببطء وتحوّل نجاتهم إلى معاناة يومية مفتوحة على الألم والخوف والمضاعفات الصحية.
اضافة اعلانوفي المستشفيات المنهكة، يقف الأطباء أمام تحديات تفوق قدرتهم، بعدما امتلأت الأقسام بالجرحى الذين يحتاج كثير منهم إلى عمليات دقيقة لاستخراج الشظايا المنتشرة قرب الأعصاب أو داخل العظام والأعضاء الحساسة.
لكن نقص الأجهزة الطبية، وتعطل غرف العمليات، ونقص الكثير من المستلزمات الأساسية، جعل هذه التدخلات مؤجلة إلى أجل غير معلوم.
محمد شعبان.
ثلاثيني بجسد ستينيفي إحدى خيام النزوح غربي غزة، يجلس الشاب محمد شعبان (30 عاما) على كرسيه المتحرك، بعدما نجا من غارة استهدفت تجمعا للمواطنين في شمال القطاع، لكنه ما يزال يحمل شظايا في ساقه وظهره تمنعه من الحركة كما كان في السابق.
ويقول شعبان: إن الألم يوقظه كل ليلة، ولم يعد قادرا على السير لمسافات طويلة، فيما أخبره الأطباء أن استخراج الشظايا يحتاج إلى إمكانات غير متوفرة حاليا.
ويضيف: " أعيش حياة لم تكن يوما حياتي، من يراني متلاصقا بالكرسي المتحرك يظن أنني ابن الستين، وأنا في العقد الثالث من عمري".
ويتابع: " أصلي وأنا نائم على ظهري أو جالس على كرسيي، لا يمكنني دخول الحمام من دون مرافق، وهناك تيبّس في عظام جسدي من قلة الحركة.
كان الأمر في قدمي اليسرى وأسفل ظهري، والآن جميع مفاصل جسمي متيبسة".
ويشير شعبان إلى أنه يواظب على جلسات العلاج الطبيعي على نفقته الخاصة كي لا يصاب بالشلل الكلي، موضحا أن هذه الجلسات مكلفة، وقد دفع أكثر من 1200 شيكل، وذلك بعدما اختفت مراكز العلاج الطبيعي إثر تدميرها خلال الحرب.
ويضيف: " منذ الأشهر الأولى للحرب أُصبت ولا أزال أعاني، وأخبرني الأطباء أن الحل الوحيد هو العلاج خارج القطاع، وذلك بسبب نقص المعدات وغياب الأدوية والأجهزة اللازمة".
الطفلة جوري.
صعقات كهربائية في الرأسولا يبدو الأمر مختلفا عند الطفلة جوري شحادة، التي لم تتجاوز عامها الرابع، إذ تعاني من وجود شظايا عالقة في رأسها تؤثر في ذاكرتها وتضغط على أعصاب الحركة لديها، مسببة لها نخزات تشبه الصعقات الكهربائية لا يتحملها جسدها الصغير.
وتقول والدتها: " أُصيبت جوري بينما كانت تلعب في ساحة المنزل، حيث تم قصف مجموعة من المواطنين في منطقة العامودي شمال القطاع، فتخللت شظية إلى رأسها واستقرت فيه".
وتضيف: " من هول القصف والصدمة تيبّس جسد جوري ولم تقوَ على تحريك أطرافها، حتى ظننا أنها أُصيبت بالشلل.
حملها والدها إلى المشفى، وهناك تبيّن أن شظية استقرت بالقرب من أعصاب الرأس، وأن حركتها قد تؤثر على أجزاء من جسمها".
وتتابع الأم: " لم نترك طبيبا مختصا أو مستشفى إلا وعرضنا جوري عليه، وكان الرد واحدا: يجب استئصال الشظية من رأسها بمعدات خاصة غير متوافرة في القطاع، لتجنب العبث بأعصاب الرأس".
موضحة أن طفلتها تعاني آلاما لا يتحملها كبير، وتعيش على المسكنات فقط، والتي لم تعد تعطي مفعولا مع كثرة الاستخدام.
المنظومة الصحية.
عجز بنسب كارثيةووفقا لبيانات وزارة الصحة في غزة، فإن هناك ما يقارب 10 آلاف جريح في قطاع غزة يحتاجون إلى جراحات متقدمة في العظام والمخ والأعصاب والجراحات الدموية.
ويفتقر القطاع الصحي في غزة إلى المستهلكات الطبية، ويعاني من نقص الأدوات اللازمة للجراحات مثل جراحة المخ والعظام والأوعية الدموية والقلب والصدر بنسبة قد تصل إلى 80 %، بالإضافة إلى أن أكثر من 50% من الأدوية الأساسية غير متوفرة، وكذلك 40 % من أدوية الطوارئ المخصصة لإنقاذ الحياة.
وفي السياق، قالت وزارة الصحة، إن آلاف المرضى والجرحى في القطاع لا يزالون بانتظار السماح لهم بالسفر لاستكمال علاجهم خارج القطاع، فيما غادر 77 فلسطينيا، بينهم 28 مريضا و49 مرافقا، أول من أمس عبر معبر رفح البري لتلقي العلاج في الخارج، ضمن عمليات إجلاء طبي تنفذها جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني بالتنسيق مع منظمة الصحة العالمية.
وأشارت الوزارة إلى أن لجنة التحويلات الطبية تواصل متابعة ملف سفر المرضى والإشراف عليه.
وقال الفلسطيني ماهر أبو الخير للأناضول، إن والدته تعاني من إصابة منذ 18 شهرا، وإنها ستغادر إلى مصر لتلقي العلاج.
من جانبه، قال الفلسطيني محمد قديح، إن شقيقته انتظرت ثلاثة أشهر حتى تمكنت من مغادرة القطاع" في ظل انهيار النظام الصحي واستمرار القيود المفروضة على سفر المرضى والجرحى".
ويعيش الفلسطينيون في غزة أوضاعا إنسانية ومعيشية بالغة الصعوبة في ظل تداعيات الحرب إلى جانب القيود المفروضة على حركة التنقل والسفر منذ سنوات.
ومنذ إعادة فتح المعبر، تمكن نحو 700 مريض من مغادرة القطاع لتلقي العلاج في الخارج، فيما ما يزال أكثر من 18 ألف مريض وجريح ينتظرون الإجلاء الطبي، وفق تصريحات سابقة للمتحدث باسم جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني رائد النمس لإذاعة" صوت فلسطين".
ومنذ إعادة فتح معبر رفح، أفاد عائدون إلى غزة بتعرضهم لتنكيل يتخلله احتجاز وتحقيق قاسٍ يمتد لساعات قبل السماح لهم بمواصلة طريقهم نحو القطاع.
وقبل الحرب، كان مئات الفلسطينيين يغادرون غزة يوميا عبر المعبر، ويعود مئات آخرون في حركة طبيعية، وكانت آلية العمل تخضع لوزارة الداخلية في غزة والجانب المصري دون تدخل مباشر.
وكان من المفترض أن تعيد إسرائيل فتح المعبر في المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار الذي بدأ سريانه في 10 تشرين الأول (أكتوبر) 2025، إلا أن الاحتلال لم يلتزم بذلك.
-(وكالات).

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك