واحدة من أهم أوراق الرئيس دونالد ترامب التي مكّنته من تمرير سياساته وقراراته المحلية، كانت سيطرته التامة على الحزب الجمهوري في الكونغرس الذي يملك الأكثرية ولو الضئيلة في مجلسيه، الشيوخ والنواب.
وقد استند ترامب إلى ولاء القاعدة الحزبية شبه المطلق له لإحكام قبضته على هذه الأكثرية، لكن هذه المعادلة تزعزعت في الآونة الأخيرة.
اقتراب موعد الانتخابات النصفية وتراكم خسائر السياسات المكلفة التي اعتمدها البيت الأبيض والتي بدأت تهدد معركة الجمهوريين فيها، أثارا تذمراً تطور أخيراً إلى شبه تمرد (قياساً على مدى الولاء السابق) في صفوفهم على الرئيس، في محاولة للابتعاد عنه قبل الانتخابات.
صحيح أن سطوته الحزبية ما زالت كبيرة، بيد أن التشقّق في جدارها بدأ يتكشف، سواء من خلال تدخله في فرض مرشحين موالين له على حساب آخرين من قدامى الحزبيين المخضرمين، أو من خلال الرفض الواسع لقرارات مالية، فضلاً عن الامتناع عن التصويت على منحه صلاحية الحرب مع إيران.
وبذلك دخل الرئيس، لأول مرة، في حالة حرب مع فريقه في الكونغرس، وبما من شأنه أن يزيد من إرباك خياراته وحساباته المحلية والخارجية، وبالتحديد المتعلق منها بحرب إيران.
وبدأ الخلاف بينهما مع تفاقم التداعيات النفطية للحرب التي تسببت في موجة غلاء كان من الطبيعي أن تثير مخاوف الجمهوريين في عام انتخابي.
وازداد التأزم مع إغلاق مضيق هرمز ودخول الحرب في مأزق مديد، وهبط رصيد الرئيس إلى 35-37%.
ووسط هذه الأجواء المقلقة والناقمة، دخل ترامب على خط اختيار المرشحين للمرحلة الأولى الحزبية من الانتخابات، فاستبعد بعض جمهوريي الصف الأول من الترشيح، إما في تصفية حساب معهم (السيناتور بيل كاسيدي الذي صوت على عزل ترامب في 2021) وإما لضعف الولاء له (السيناتور جون كورنين).
وأثارت خطوته هذه ردة فعل سلبية في صفوف الجمهوريين في مجلس الشيوخ، رافقها الإعلان عن عزم المستبعدَين على خوض المعركة الانتخابية ضد مرشحي ترامب، ولو تسبب ذلك بخسارة الحزب الجمهوري للمقعدين.
في الوقت ذاته، طلب البيت الأبيض من الكونغرس الموافقة على تأسيس صندوق بقيمة 1.
8 مليار دولار" للتعويض على العناصر التي صدرت بحقها أحكام جائرة" بالسجن بسبب مشاركتها في اقتحام مبنى الكونغرس في 6 يناير/ كانون الثاني 2021، مع أنه سبق للرئيس ترامب أن منحها العفو في بداية رئاسته الثانية.
واعترض مجلس الشيوخ بشدة وامتنع بتوافق جمهوري – ديمقراطي عن طرح المشروع على التصويت.
كذلك قطع مجلس الشيوخ الطريق، بتأييد بعض الجمهوريين، أمام طلب البيت الأبيض بتخصيص مبلغ مليار دولار" لتعزيز الاحتياطات الأمنية" في صالة الاحتفالات الجديدة وتوابعها التي قرر الرئيس ترامب بناءها لتكون ملحقاً بالبيت الأبيض.
والمعلوم أن ترامب كان قد أعلن منذ البداية أن المشروع مموّل من متبرعين وليس من خزانة الدولة.
كذلك ألغى رئيس مجلس النواب مايك جونسون، أمس الخميس التصويت على مشروع قانون يقيّد صلاحيات الرئيس ترامب في حرب إيران خشية حصوله على الأغلبية، لأن عدداً من الجمهوريين كان يعتزم تأييد المشروع أو الامتناع عن التصويت، بما يرجح كفة المؤيدين.
انفجار الخلاف بين الرئيس ترامب وحزبه صار أمراً واقعاً له تداعياته في لحظة تتوالى فيها الإشارات والتقديرات حول العودة إلى الحرب.
وثمة من يرى أن تسريع الوساطات وتكثيفها، بحثاً عن صيغة لمخرج مقبول، يعززان هذه التقديرات.
وكأن هناك سباقاً مع الوقت لاستدراك الأمور قبل فوات الأوان، وذلك من باب أن" الانسداد قد يؤدي هنا إلى الانفجار"، في إشارة إلى مشكلة هرمز.
وفي هذا السياق، ألمحت جهات، في معرض تعليقها على استقالة تولسي غابارد من رئاسة" الوكالة الوطنية للاستخبارات" إلى أن هذه الخطوة" تأتي في لحظة ينظر فيها الرئيس ترامب في احتمال عودته إلى المواجهة مع إيران".
والمعروف أن غابارد سبق أن كانت لها مقاربة مختلفة عن البيت الأبيض بشأن النووي الإيراني، وهي الوزيرة والمرأة الرابعة التي تغادر الإدارة في غضون حوالى سنة ونصف من رئاسة ترامب الثانية.
وفي كل حال تعيش واشنطن حالياً أجواء حرب أو نزاع جديد، إن لم يكن مع إيران، فسيكون على الأرجح مع كوبا.
التمهيد والتحضيرات الجارية بخصوص كوبا تشبه تلك التي سبقتها قبل وضع اليد على فنزويلا.
فقد صدرت إدانة بحق الرئيس الكوبي السابق راؤول كاسترو، وتوجهت حاملة الطائرات نيميتز إلى منطقة البحر الكاريبي المجاورة لكوبا.
استعدادات تبدو كأنها خطة لاستنساخ عملية فنزويلا، وقد تكون في جانب منها للتمويه أو لصرف الاهتمام عن حرب الإدارة مع الكونغرس.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك