يحتفظ الحاج محمود صافي (78 سنة) من مخيم الجلزون للاجئين الفلسطينيين القريب من رام لله بمفاتيح بيت عائلته من قرية بيت نبالا المهجرة قرب اللد، وكثير من الصور، وعلى رغم تخوفه الدائم من ضياع تلك المقتنيات فلا يزال مطمئناً لوجود نسخ منها، فدور وكالة غوث وتشغيل اللاجئين" الأونروا" منذ النكبة عام 1948 لم يقتصر على تقديم التعليم والصحة والإغاثة لملايين اللاجئين، بل شملت أيضاً الحفاظ على هوية الفلسطينيين والموروث التاريخي العالمي للقضية الفلسطينية عبر أرشيف شامل ومفصل يبدأ بالوثائق وأوراق التسجيل الأصلية، المسماة البطاقات الماستر، إضافة إلى شهادات الميلاد والزواج والوفاة والصور، لأكثر من 700 ألف فلسطيني فقدوا منازلهم وسبل عيشهم آنذاك.
ووثقت" الأونروا" معظم تجارب الفلسطينيين أثناء فرارهم أو إجبارهم على مغادرة منازلهم خلال النكبة والتي تدحض الرواية الإسرائيلية التي تروج أن فلسطين عام 1948 كانت أرضاً بلا شعب.
ووفقاً لما ذكر في الموقع الإلكتروني الرسمي لـ" الأونروا" فإنها تمتلك أرشيفاً ضخماً سمعياً وبصرياً يوثق مراحل اللجوء الفلسطيني على مدى أكثر من سبعة عقود، يضم أكثر من نصف مليون مادة من صور النيجاتيف والصور المطبوعة والشرائح المصورة والأفلام وأشرطة الفيديو التي تغطي جوانب حياة اللاجئين الفلسطينيين من الرجال والنساء والأطفال في حياتهم داخل المخيمات والتجمعات التي انتشرت في المنطقة العربية، وذلك منذ بدايات النكبة الفلسطينية عام 1948 حتى يومنا هذا.
ويحتوي هذا الأرشيف على 430 ألف صورة فوتوغرافية ونحو 10 آلاف صورة مطبوعة إلى جانب 85 ألف شريحة عرض و75 فيلماً وثائقيا، فضلاً عن 1190 شريط فيديو، إذ أدرجته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة" اليونيسكو" ضمن ذاكرة العالم في اعتراف أممي بقيمته التاريخية.
ولأن الوثائق والشهادات والصور التي مرت بذاكرة الفلسطينيين عام 1948 الموزعة في أماكن مختلفة في غزة ولبنان والأردن وسوريا، كانت معرضة لكثير من الأخطار، قامت الوكالة الأممية منذ عام 2004 برقمنته (عملية تحويل المعلومات والمستندات والبيانات من شكلها الورقي أو التناظري التقليدي إلى صيغة رقمية) وإنقاذ الأرشيف حفاظاً على الذاكرة الجماعية، وترسيخاً للهوية الفلسطينية، وليس فقط لإنقاذ المواد والمحافظة عليها ولكن لإعطاء حياة جديدة لهذا المصدر التاريخي المهم الذي لا نظير له.
إلا أن نظام التسجيل الرقمي التابع للوكالة وبعد تعرضه للاختراق، زاد من احتمالات التعرض لهجوم إلكتروني قد يمحو الخوادم من السجلات التي جرى مسحها ضوئياً بالفعل.
ففي الأعوام بين 2004-2009، جرى مسح نحو 20 مليون وثيقة ومراجعتها وتصنيفها إضافة إلى 10 ملايين أخرى بين عامي 2023-2025، وتستخدم هذه الوثائق لإعادة تتبع شجرة العائلة، وربط لاجئي فلسطين بأسلافهم الذين نزحوا عام 1948.
وعلى رغم الجهود الحثيثة لمسح الوثائق ضوئياً، ظلت مئات الآلاف من السجلات التاريخية في شكل ورقي فقط مما جعلها عرضة للحريق أو التدمير المتعمد على يد إسرائيل.
وكشفت صحيفة" الغارديان" البريطانية، أخيراً، عن تنفيذ وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) عملية سرية استمرت نحو 10 أشهر، قبل دخول القوانين الإسرائيلية التي تمنع عمل الوكالة داخل إسرائيل والأراضي الفلسطينية حيز التنفيذ مطلع عام 2025، نقلت من خلالها نحو 30 مليون وثيقة من قطاع غزة والقدس الشرقية إلى العاصمة الأردنية عمان خشية تعرضها للمصادرة أو الإتلاف.
وتمثل هذه الوثائق المنقولة جزءاً كبيراً من الذاكرة الوطنية الفلسطينية، وجرت عملية نقلها لرقمنتها وتحويلها من النسخ الورقية إلى الإلكترونية ضمن عملية لا تزال مستمرة حتى الآن، باستخدام تقنيات حديثة تضمن الحفاظ على الوثائق الأصلية وتأمين نسخ رقمية منها بل وضمان استمرارية الوصول الآمن إليها مستقبلاً.
وبحسب المعلومات المنشورة، فقد بدأت العملية عقب اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023، حين جرى تهريب الأرشيف من غزة إلى مصر بواسطة موظفين يحملون جنسيات أجنبية، ثم نقلها إلى الأردن عبر طائرات عسكرية أردنية كانت تعود من مهام إيصال مساعدات إنسانية إلى قطاع غزة، ومن القدس مباشرة إلى مكاتب الوكالة في العاصمة الأردنية عمان، حيث باشر أكثر من 50 موظفاً العمل داخل قبو آمن على رقمنة ملايين الوثائق لضمان حفظها للأجيال القادمة خصوصاً في ظل تصاعد الحملات والهجمات على مقار الوكالة.
أدركت إسرائيل أهمية الأرشيف فسرقت بعضه ودمرت بعضه الآخر، وقد سبق أن قامت العصابات الصهيونية خلال النكبة عام 1948، بنهب 30 ألف كتاب ومخطوطة من بيوت الفلسطينيين وأرشيفات الأجهزة الرسمية البريطانية والبلديات الفلسطينية آنذاك، وهي تحفظ الآن إما في" أرشيف الدولة" أو" المكتبة الوطنية الإسرائيلية" في القدس، التي تحوي أكثر من 8 آلاف كتاب وضع عليها الحرفان (AP)، اختصاراً لعبارة" ممتلكات متروكة" (Abandoned Property).
وصادر الجيش الإسرائيلي خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 كل مقتنيات أرشيف" مركز الأبحاث الفلسطيني" الذي أسسه فايز صايغ خلال فبراير (شباط) عام 1965 بقرار من" اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير" الفلسطينية في بيروت ومكتبتها، الذي كان يضم مئات الكتب النادرة والمراجع والمخطوطات الثمينة، إضافة إلى مقتنيات الأرشيف من ملفات وأشرطة" ميكرو فيلم"، إلى جانب مصادرة آلات تصوير وأجهزة تسجيل وأشرطة مسجلة كتاريخ شفوي، كالتسجيلات الصوتية مع ضباط فلسطينيين شاركوا في أحداث أيلول 1970 في الأردن، وتسجيلات صوتية مع أعلام الثقافة الوطنية الفلسطينية، ولم يكتف بذلك، فقد عاد عام 1983 لينسف هذا المركز تماماً.
ووفقاً للباحثة والمؤرخة الإسرائيلية للتاريخ البصري رونا سيلا، فإن" الصور والأفلام الفلسطينية التي استولت عليها القوات الإسرائيلية والتي ظلت حبيسة أرشيفات الجيش ووزارة الدفاع تقدم رواية بديلة للتاريخ الصهيوني الذي أنكر وجود الفلسطينيين هنا"، مشيرة إلى أنه منذ احتلال فلسطين عام 1948 حتى اجتياح بيروت خلال عام 1982 سرق الاحتلال الإسرائيلي نحو 38 ألف فيلم، و2.
7 مليون صورة، و96 ألف تسجيل، و46 ألف خريطة وصور جوية من أرشيف الفلسطينيين، ووضع بعضها في أرشيف الجامعة العبرية.
وذكر باحثون أن مكتبة الجامعة تخصص ثلاثة طوابق تحت الأرض، ومخازن خارجية، لتخزين أعداد هائلة من الكتب والمخطوطات العربية والإسلامية المسروقة منذ عام 1948، 30 في المئة منها فقط متاح في قاعات القراءة، في حين أن 70 في المئة مخبأ في المخازن.
وخلال الانتفاضة الثانية عام 2000 تضررت المكتبات والأرشيفات في قطاع غزة، واستهدفت بصورة متكررة، وعام 2019 جرى تدمير المقر الرئيس للمركز القومي للدراسات والتوثيق الذي أنشئ بموجب القرار الرئاسي رقم (89) لعام 1997 من قبل الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات بهدف جمع الوثائق المتعلقة باللاجئين والدراسات الخاصة بمنظمة التحرير.
وقد أدى القصف الإسرائيلي المتكرر منذ السابع من أكتوبر 2023 لدمار واسع وإتلاف كبير للأرشيف المركزي بمقر بلدية غزة يحوي سجلات توثق 150 عاماً من تاريخ غزة، ودمرت أكثر من 30 مكتبة رئيسة وفقد أكثر من 6 ملايين كتاب ومخطوطة، ونهب متحف" قصر الباشا" الذي كان يضم 20 ألف قطعة أثرية، ولأن هذه الشواهد تعد جزءاً من التدمير المتعمد للتراث الثقافي في فلسطين، يحاسب القانون في محكمة الجنايات الدولية عليها باعتبارها" جريمة حرب".
ونظراً إلى حساسية السجلات التي توثق تاريخ اللجوء الفلسطيني منذ عام 1948 عمل فلسطينيون بعد النكبة ضمن مبادرات فردية ومجتمعية وأخرى رسمية لتوثيق تاريخهم، جمعت أكبر قدر ممكن من الوثائق والمقتنيات للأرشفة، ويعد المتحف الفلسطيني في بلدة بيرزيت شمال رام الله أحد أضخم المشاريع الفلسطينية التي تحفظ آلاف الوثائق والصور والتسجيلات المهددة بالتلف من القرن الـ19 وحتى العصر الحالي، وتمتلك أرشيفاً رقمياً يوثق حياة قطاعات فلسطينية واسعة تتعرض مقتنياتها من الصور والوثائق للتلف أو الضياع.
في حين تعد مؤسسة الدراسات الفلسطينية (مستقلة غير ربحية)، التي أسست في بيروت عام 1963 أول هيئة علمية مستقلة أنشئت حصراً لدراسة وتوثيق القضية الفلسطينية والصراع العربي - الإسرائيلي، وتقديم الرواية التاريخية والواقعية الموثقة، إذ تضم مكتبة" قسطنطين زريق" التابعة لها أكثر من 79 ألف مجلد، ومئات الدوريات والصحف، وتعد مرجعاً مهماً للباحثين، وأصدرت كثيراً من الموسوعات والكتب التي باتت تعد من أهم المصادر التي تتناول تفاصيل القضية الفلسطينية، أبرزها كتاب" كي لا ننسى" و" كل ما تبقى"، لتوثيق القرى الفلسطينية المندثرة وأسماء العائلات وتفاصيل الحياة قبل النكبة 1948.
هذا ويجمع" مشروع ذاكرة فلسطين" الذي أطلقه المركز العربي للأبحاث قاعدة بيانات تشمل الأرشيفات والمذكرات والشهادات الشفوية، والصحف القديمة لحماية الذاكرة الجماعية الفلسطينية وتوفيرها للباحثين عبر قاعدة بيانات رقمية تحفظ التراث المشتت، وتضم آلاف الوثائق الأصلية، والمجموعات الشخصية لقادة ومفكرين، وأدبيات الفصائل السياسية.
وتعمل المؤسسة الوطنية لتوثيق تاريخ فلسطين وحفظ الذاكرة التي أُسست بموجب مرسوم رئاسي رقم (1) لسنة 2024 كهيئة عامة فلسطينية مستقلة إلى التوثيق الشامل لتاريخ فلسطين وحماية الموروث التاريخي والوثائقي من التشويه أو التزوير أو الضياع.
وبالتوازي مع تلك الجهود أنشئت مئات المشاريع التي كرست جهودها للعمل على حفظ الأرشيف الفلسطيني، كموقع" فلسطين في الذاكرة" الذي أُسس عام 2000 ويعد من أكبر وأهم المواقع الفلسطينية على شبكة الإنترنت ويركز على التأريخ الشفوي للنكبة الفلسطينية.
ولأن بناء أرشيف وطني شامل يعد ممارسة سياسية تهدف إلى تعزيز السردية، يرى مراقبون أن الاجتهادات الفردية في فلسطين والشتات لتدوين التاريخ الشفوي، ومؤسسات البحث والتوثيق لمحطات مهمة في تاريخ الشعب الفلسطيني، لم ترتقِ بعد إلى مستوى أرشيف وطني جامع وموحد عابر للحدود.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك