الصين استطاعت ان تصنع تشابكات اقتصادية معقدة وعميقة حول العالم ما يمكنها ان تسخر المصالح الاقتصادية المشتركة بينها وبين مختلف الدول لحصد مكتسبات سياسية وأمنية، فقد تجاوز حجم تجارة بكين مع مختلف دول العالم أكثر من 6 ترليون دولار سنويا بفائض في الميزان التجاري لصالح الصين، هذا بعيدا عن حجم الاستثمارات الصينية الضخمة الوافدة الي الداخل الصيني في مجالات تشكل عصب التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والصناعة بشكل عام، ولهذا يعد الذهاب الي الصين هو مسار إجباري لأمريكا او روسيا لا يمكن تجاهله، بل باتت المصالح الاقتصادية لكلا الطرفين مرتبطة ارتباط أصيل بالاقتصاد الصيني، فإذا كان يبدو ظاهريًا ان الدولار هو المتحكم في الاقتصاد الدولي، ولكن عمليًا العقل الاقتصادي الصيني هو المحرك الفعلي للاقتصاد العالمي، بعد ان باتت كافة الاقتصادت الكبير لديها تشابكات اقتصادية عميقة مع الاقتصاد الصيني وهنا الأرقام خير شاهد ودليل، حيث يشكل التبادل التجاري بين بكين واشنطن ٤١٥ مليار دولار بينما تقوم 1950 شركة أمريكية بالعمل داخل الصين بحجم استثمارت يتخطي 500 مليار دولار كما تمتلك الصين سندات خزانة أمريكية بقيمة ترليون دولار وتستحوذ علي أسهم في أسواق البورصة الأمريكية بقيمة 369 مليار دولار، هذا بجانب ان الولايات المتحدة الأمريكية تقوم باستيراد 70% من المعادن النادرة من الصين، أرقام تؤكد الارتباط المصيري بين الاقتصاد الامريكي والصين، رغم ان الدولتين ليسوا حلفاء او حتي شركاء استراتيجيين، أوروبا هي الأخري يقدر حجم التبادل التجاري بينها وبين للصين بما يتجاوز 700 مليار يورو بفائض تجاري لصالح الصين بينما يشكل العجز التجاري لأوروبي ما يتجاوز 400 مليار يورو، أما عن روسيا فهي ترتبط ارتباط عضوي بالاقتصاد الصيني في تلك المرحلة المفصلية التي تخوص خلالها موسكو حربًا ممتدة في شرق أوروبا ويصل التبادل التجاري بين الصين وروسيا الي 245 مليار دولار سنويًا ولكن الأهم من هذا هو قدرة الدولتين علي إيجاد تفاهمات اقتصادية وتجارية عميقة سواء مرتبطة باستخدام العملات المحلية أو مشروعات إمداد الطاقة والذي سيشكل مشروع سيبيريا 2 نقلة كبيرة في مجال التعاون الطاقي بين البلدين.
عرض ما سبق كنموذج مبسط لحجم الترابط الاقتصادي بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الغربيين من جانب وروسيا من جانب أخر يوضح كيف أن الصدامات السياسية بين الشرق والغرب تأتي بحذر شديد وأن المواءمات السياسية بين القوي الكبري يحركها الاقتصاد من خلف الستار، بل ان الطموحات السياسية وحتي الجيوسياسية علي خريطة الصراع الدولي لراعي البقر الأمريكي أو القيصر الروسي لن تمر الي عبر توافق المصالح مع الصين، فهو مسار إجباري يجب ان يسلكه ترامب او بوتين للوصول الي معادلة دولية تحافظ علي موازين الهيمنة الدولية بما يضمن عدم حدوث خللًا في اقتصاديات الدول الكبري.
وهنا تأتي الفرصة الصينية لفرض رؤيتها بشأن نظام دولي جديد متعدد الاقطاب، فرغم ان الصين التي كانت في بداية الأمر لا تتكيف مع نظام العولمة الاقتصادية الذي رسخ له الغرب وفق قدرته علي تغير النظام الدولي حينها في أعقابإنتهاءالحرب الباردة، الآن تثبت بكين استطاعتها تطويع عولمة الاقتصاد لتغير النظام الدولي مجددا بما يحقق تواجدها كاقوة مهينمة في عالم متعدد الاقطاب، وربما حديث الصين مؤخرا عن فكرة مكافحة الهيمنة الدولية أحادية الجانب وأهمية تعددية الاقطاب داخل المجتمع الدولي يؤكد ان الحكمة الصينية تدفعها لعدم تكرار التجربة الأمريكية بل هي تقبل بعالم جديد ليس ثنائي القطب كما كان قبل الحرب الباردة او حتي أحادي القطب كما أصبح بعدها ولكن بكين تقبل يعالم متعدد الاقطاب في نموذج دولي جديد قد يبدوا جيدا ولكنه من المؤكد سيواجه صعوبات وتحديات بدأت بالفعل تظهر علي ساحة الصراع الإقليمي والدولي في مخاض صعب لهذا النظام الدولي الجديد الذي ربما يحتاج الي سنوات أو ربما عقود حتي يظهر للنور.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك