الحقوق الفكرية للعلماء المسلمينمعرفة رائعة ومدعاة للفخر تعرّفنا عليها خلال ندوة تاريخ العلوم في الحضارة الإسلامية التي أقامتها وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي واللجنة الوطنية للتربية والثقافة والعلوم.
لكن ما أثار في داخلي شعوراً عميقاً بالغيرة على إرث هؤلاء العلماء، ليس فقط حجم إنجازاتهم العلمية، بل إدراك أن أسماءً صنعت معرفة غيّرت مسار الطب والعلوم لم تنل ما تستحقه من حضور في كثير من المراجع الكبرى، وأن حقوقهم الفكرية والمعرفية تعرّضت للتهميش، رغم ما قدّمه الباحثون والعلماء المسلمون والعرب من دراسات ووثائق أعادت إثبات سبقهم العلمي.
قصة ابن النفيس لم تكن مجرد معلومة تاريخية عن عالم مسلم سبق زمنه، بل هي قصة عن المعرفة حين تنتقل من أصحابها إلى ذاكرة أخرى.
فقد سبق ابن النفيس هارفي بثلاثة قرون ونصف في وصف الدورة الدموية الرئوية، وهو إنجاز علمي لم يكن مجرد ملاحظة عابرة، بل تحولاً أساسياً في فهم الإنسان لجسمه.
لكن غياب هذه الحقيقة عن كثير من المراجع العلمية الكبرى يجعل القضية تتجاوز خطأً تاريخياً أو نقصاً في التوثيق، لتصبح سؤالاً أعمق يتعلق بمن يكتب تاريخ العلم، ومن يحدد أسماء من يستحقون البقاء في الذاكرة الإنسانية وحقهم المعرفي والفكري.
وتبرز قصة ثانية ترتبط بإسهامات العلماء المسلمين في التجبير والجراحة وتطوراتهما المبكرة، مثل التجبير المتأخر الذي وضعه ابن سينا ونُسب لاحقاً لغيره.
وهي جهود لم تكن مجرد محاولات علاجية أولية، بل معرفة علمية تراكمت فوقها مدارس طبية لاحقة.
لكن المفارقة أن كثيراً من هذه المنجزات دخلت التاريخ باعتبارها إشارات هامشية، بينما تحولت إضافات جاءت بعدها بقرون إلى عناوين رئيسية في السرديات العلمية العالمية.
الحقيقة أننا لسنا أمام دعوة لقراءة التاريخ بعاطفة أو بمنطق المنافسة الحضارية؛ فالعلم بطبيعته بناء إنساني مشترك تتراكم فيه الإسهامات عبر العصور والحضارات.
لكن العدالة العلمية تقتضي أن يُنسب الجهد إلى أصحابه، وأن تُصان الحقوق الفكرية والمعرفية كما نصون اليوم حقوق الابتكار والملكية الفكرية، وهو ما يجتهد من أجله الباحثون المتخصصون للكشف عن كثير من الحقائق في مختلف المجالات من خلال الدراسات البحثية المتعمقة.
والأخطر من غياب الاعتراف هو غياب الوعي.
فالأجيال التي لا تعرف أن حضارتها أسهمت في بناء المعرفة الإنسانية لن تفكر انطلاقاً من ذلك الإرث، ولن تبني عليه، بل قد تنشأ وهي تظن أن المعرفة بدأت في مكان واحد وزمن واحد.
إن العمل البحثي يؤكد ضرورة معالجة ثقافة استهلاك المعرفة والتحول نحو إنتاجها.
قدّمت الندوة جزءاً من الإجابة: باحثون يعيدون قراءة المخطوطات، ومراكز علمية تعمل على التحقيق والتوثيق، وجهود تُعيد إلى العلماء حقوقهم التي غيّبتها صفحات التاريخ.
لكن الإجابة الأوسع تتطلب ما هو أبعد من ذلك؛ جهوداً تعيد النقاط إلى الحروف، وتنسب الفضل إلى أهله، وتنطلق من هناك.
فالمستقبل لا يصنعه من يفتخر بالماضي فقط، بل من يعرفه جيداً، ويستوعبه، ثم يضيف إليه فصلاً جديداً.
@maryamhamadi.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك