عمان- لا تختفي العفوية فجأة، بل بهدوء، كأن شيئا في الداخل يتعلم التريث أمام ما كان يخرج بسهولة؛ كلمة، ضحكة أو مبادرة، بعدما أصبح كل شيء يحتاج إلى تفكير.
اضافة اعلانأن تصبح الأشياء مقصودة بعد أن كانت طبيعية، يعني أن بين الشعور والتعبير مسافة.
أحيانا يكون هذا الوعي ضروريا، يعلمنا اختيار كلماتنا وألا نؤذي، لكن حين يتحول الحذر إلى المسيطر على كل شيء، يصبح كل فعل عبئا ثقيلا، يجبرنا على حساب ما نقول وكيف نبدو، وهل ما نفعله مناسب.
ومع كل هذا الحساب نخسر شيئا من بساطة اللحظة.
فالعفوية نوع من الثقة، بأن ما نشعر به يكفي، وأننا لا نحتاج إلى شرح أنفسنا طوال الوقت، بينما يجعلنا القصد المبالغ فيه نراقب أنفسنا بدل أن نتصرف على طبيعتنا.
وهذا لا يعني أن القصد سيئ، فهو جزء من النضج، نتعلم من خلاله الحدود والعواقب، لكن المهم أن نعرف متى نفكر، ومتى نترك أنفسنا تتصرف بعفوية، وأن نقول أحيانا ما نشعر به دون تعديل.
رهام واحدة من كثيرين عاشوا تجارب أدخلتهم في دوامة من الحيرة والتساؤلات، بعد انسحاب بعض العلاقات من حياتهم وتلاشي العفوية فيها.
تقول إن أكثر ما ينهي العلاقات بعد قربها هو الحذر، فعندما تتدخل الحسابات في كل كلمة، تختفي العفوية ويصبح الصمت أفضل من سوء الفهم.
وتضيف أن العلاقات التي كانت مليئة بالتلقائية تصبح هشة عندما يتحول كل تصرف فيها إلى سؤال: كيف سيفهمه الطرف الآخر؟ مؤكدة أن بعض العلاقات لا تنتهي فجأة، بل تذبل تدريجيا تحت ثقل الحذر الزائد، الذي قد يحمي أحيانا، لكنه يسرق دفء العلاقة دون أن نشعر.
تقول؛ كل شيء كان يحدث ببساطة؛ الحديث يأتي بلا تفكير، والضحكة تخرج دون تكلف، والعتاب يقال بعفوية وحب، دون حساب لمن سيربح النقاش ومن سيخسر.
لكن تلك الراحة التي تجعل الإنسان على طبيعته اختفت، وحل مكانها حذر بارد يشبه المسافات الصامتة، فأصبح كل شيء محسوبا؛ الرسائل، والنبرة، وحتى الاهتمام، وكأن العفوية غادرت بصمت.
الميل للحذر بسبب الخوف أو غياب الثقةبدورها، تشير اللايف كوتش والباحثة الأكاديمية فيروز مصطفى إلى أن العفوية تختفي من العلاقات لأسباب عدة، منها لجوء بعض الأشخاص إلى تجميد العلاقة والميل إلى الحذر بسبب الخوف أو غياب الثقة، ما يجعل الشخص يشعر بعدم الأمان، فتغدو التصرفات مقصودة ومخططا لها من باب الحماية.
كما أن بعض العلاقات تفقد عفويتها بسبب جرح لم يلتئم بالشكل الصحيح.
وتوضح مصطفى أهمية الموازنة، فالعفوية ليست دائما إيجابية، خاصة في العمل، إذ من المهم أن يكون الإنسان واعيا يعرف متى يكون عفويا ومتى يكون حذرا، حتى لا تصبح حدوده مستباحة.
وترى أن التفكير قبل الكلام ضمن حدوده الطبيعية يعد نضجا، لأن الإنسان الواعي لا يقول كل ما يشعر به في أي وقت، لكن عندما يتحول التردد إلى خوف دائم من رد الفعل، أو إلى مراقبة مرهقة لكل كلمة حتى لا تفهم بشكل خاطئ، فذلك لا يعد وعيا صحيا، بل إشارة إلى تراجع الأمان العاطفي.
وتؤكد أن العلاقة الآمنة لا تعني غياب الخلاف، بل أن يتمكن الطرفان من التعبير دون خوف أو سوء تأويل.
وغالبا لا تختفي العفوية فجأة، بل تتراكم بسبب تفاصيل صغيرة؛ عتاب لم يفهم، أو مشاعر جرى التقليل منها، أو ردود باردة، أو مواقف جعلت أحد الطرفين يشعر أن عفويته لم تعد مرحبا بها.
ومع الوقت يبدأ الإنسان بحماية نفسه دون أن يشعر، فيتحول التواصل من مساحة راحة إلى مساحة تقييم وحذر.
غياب الطمأنينة أثناء التواصلوتضيف أن المشكلة أحيانا لا تكون في نقص الحب، بل في غياب الطمأنينة أثناء التواصل، فاختفاء العفوية ليس دائما دليلا على فتور المشاعر، إذ قد يكون الإنسان مثقلا نفسيا أو مرهقا أو يمر بضغوط تجعله أقل حضورا وعفوية حتى مع الأشخاص الذين يحبهم، لكن طالما بقي الاهتمام والرغبة في القرب ومحاولات الإصلاح، فغالبا ما تكون هذه مرحلة مؤقتة.
غياب العفوية قد يكون انعكاسا لتغير أعمق في العلاقة.
أما استعادة التوازن بين التلقائية والتصرفات الواعية، وفق مصطفى، فتكون بالتعبير الصادق لا المثالي، وأن يمنح الإنسان نفسه مساحة للعفوية دون خوف من أن يستخدم كل خطأ ضده، وأن يتوقف عن تحليل كل رد أو صمت كأنه رسالة خفية.
فالعلاقات المريحة لا تبنى على الأداء المتقن، بل على شعور الطرفين بأنهما يستطيعان أن يكونا حقيقيين دون توتر دائم.
وتبين الاستشارية النفسية والأسرية التربوية حنين البطوش أن تغير العفوية لا يعد مجرد تبدل في السلوك، بل انعكاسا لتحولات داخلية نفسية وأسرية وتربوية، وحتى روحية.
فالإنسان لا يفقد عفويته فجأة، بل يعيد تشكيلها وفق ما تعلمه وما مر به وما خاف منه وما أصبح يقدره، لذلك فإن فهم هذه التحولات يحتاج إلى قراءة واعية رحيمة تمنح النفس فرصة للفهم والاتزان.
العفوية ترتبط بشعور عميق بالأمان الداخليوتوضح البطوش أن العفوية ترتبط بشعور عميق بالأمان الداخلي، وعندما يهتز هذا الأمان يتدخل العقل الواعي لضبط السلوك.
فقد يمر الإنسان بتجارب خذلان أو مواقف شعر فيها بأنه لم يفهم، فيتعلم أن العفوية قد تقابل بالرفض، فيستبدلها بالحذر.
كما أن بعض أساليب التنشئة التي تركز على" التصرف الصحيح دائما" قد تضعف التلقائية، فيميل الفرد إلى التحفظ الزائد والسلوك المحسوب بدل التعبير الطبيعي المتوازن.
وتلفت إلى أن النضج يمنح الإنسان وعيا مرنا يجعله يفكر قبل أن يتصرف دون أن يفقد راحته، بينما يحول القلق التفكير إلى دائرة من التحليل والتقييم الذاتي، ويظهر الفرق في شعور الإنسان بعد الموقف؛ هل يشعر بالراحة أم بالاستنزاف؟وتضيف أن من نشأ في بيئة تشجع التعبير المتوازن غالبا ما يطور نضجا صحيا، بينما قد يطور من تعرض للتوبيخ أو المقارنة يقظة مفرطة تشبه القلق أكثر من النضج.
فالوعي الحقيقي يقود إلى الطمأنينة، لأن الإنسان يدرك أن النية الصادقة لها قيمتها، وأن الكمال ليس شرطا، أما إذا تحول الوعي إلى خوف دائم من الخطأ، فهنا يفقد توازنه.
هذا الارتباط يحدث نفسيا عندما يصبح تقدير الذات معتمدا على القبول الخارجي، فتتحول القرارات من" ماذا أريد؟ " إلى" كيف سينظر إليّ؟ ".
وأسريا، إذا كان القبول في الطفولة مشروطا، كأن يُمدح الطفل فقط عندما يتصرف بطريقة معينة، فإنه يكبر وهو يسعى لإرضاء الآخرين.
كما أن الأنظمة التربوية التي تركز بشكل مفرط على الثواب والعقاب قد تعزز هذا النمط، لذلك يبقى التوازن ضروريا.
التعلم والتصحيح أهم من الكبت والخوفوتوضح أن الدماغ يتعلم من الألم بسرعة، فقد تكفي تجربة مؤلمة واحدة لزرع حذر طويل الأمد، فيبدأ الإنسان بتجنب المواقف التي قد تعيد له الشعور نفسه.
كما أن النقد القاسي أو السخرية داخل الأسرة قد يتركان أثرا عميقا، خاصة إذا صدرا من أشخاص مقربين.
أما تربويا، فإن عدم السماح بالخطأ أو التعبير الحر يجعل الطفل يكبر وهو يخشى التجربة، لذلك من المهم إدراك أن الخطأ جزء من الطبيعة البشرية، وأن التعلم والتصحيح أهم من الكبت والخوف.
وحول كيفية استعادة شعور الأمان الداخلي، تشير إلى أن البداية تكون بالوعي دون قسوة؛ أن يفهم الإنسان نفسه بدل أن يحاكمها، ثم يستعيد عفويته تدريجيا، خطوة بعد أخرى، داخل بيئات يشعر فيها بالقبول.
كما أن بناء علاقات تمنح الإنسان شعورا بالأمان يساعده على أن يكون نفسه دون خوف، إلى جانب منح النفس مساحة للتجربة والخطأ باعتبارهما جزءا من التعلم.
ومن زاوية أعمق، تبرز أهمية الوعي بالذات في فهم هذا التحول وإدارته بمرونة، فالوعي بالذات لا يعني مراقبة النفس بصرامة، بل ملاحظة المشاعر وفهم أسباب التصرفات دون أحكام قاسية.
وهذا الوعي يمنح الإنسان القدرة على التمييز بين ما يعبر عن حقيقته، وما هو مجرد رد فعل لتجارب سابقة، كما يساعده على فك الارتباط التدريجي بين صوته الداخلي وأصوات النقد التي تشكلت عبر الزمن.
وترى البطوش أن هذا النوع من الوعي يعزز التوازن بين السلوك والنية، ويجعل الإنسان أكثر قدرة على استعادة عفويته بشكل ناضج؛ عفوية واعية لا تفقده اتزانه ولا تقيده بالخوف.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك