مجلس التعاون لدول الخليج العربية.
تجربة وحدوية راسخة صنعت الأمن والاستقرار والتنمية، وتستحق أن تتطور نحو اتحاد خليجي تعاوني يحفظ المصير المشترك للأجيال القادمة.
في الخامس والعشرين من مايو 1981م، شهدت أبوظبي ولادة واحدة من أنجح التجارب العربية الحديثة بإعلان قيام مجلس التعاون لدول الخليج العربية، ليبدأ مشروع خليجي قائم على التعاون والتكامل وحماية المصير المشترك لشعوب المنطقة.
جاء تأسيس المجلس في ظل ظروف إقليمية شديدة التعقيد، مع تداعيات الثورة الإيرانية والحرب العراقية الإيرانية وتصاعد التوترات الدولية، ما دفع قادة الخليج إلى إدراك أن الأمن والاستقرار والتنمية لا يمكن أن تتحقق بصورة منفردة، بل عبر منظومة خليجية متماسكة تنسق المواقف وتحمي المصالح المشتركة.
وبعد نحو 45 عامًا، أثبت المجلس أنه مشروع استراتيجي نجح في ترسيخ الأمن والاستقرار وتحقيق إنجازات اقتصادية وتنموية ملموسة.
فمنطقة التجارة الحرة، والاتحاد الجمركي، والسوق الخليجية المشتركة، والربط الكهربائي، ومشروع سكة الحديد الخليجية، جميعها مثلت خطوات عملية نحو بناء فضاء خليجي أكثر تكاملًا.
ولعل أبرز ما يميز التجربة الخليجية أنها تحولت من فكرة سياسية إلى واقع يومي يعيشه المواطن الخليجي؛ إذ أتاحت السوق الخليجية المشتركة حرية التنقل والعمل والتملك والاستثمار بين دول المجلس، حتى أصبح المواطن يشعر أنه يتحرك داخل فضاء واحد.
وتشير البيانات الخليجية إلى أن حجم التجارة البينية تجاوز 146 مليار دولار، فيما تنقل أكثر من 41 مليون مواطن خليجي بين دول المجلس خلال عام 2024م.
كما برز مشروع الربط الكهربائي الخليجي نموذجًا ناجحًا للتكامل الاستراتيجي، بعدما أسهم في دعم أمن الطاقة الخليجي وتحقيق وفر اقتصادي تجاوز خمسة مليارات دولار حتى نهاية 2025م، في حين يُنتظر أن يعزز مشروع سكة حديد الخليج حركة التجارة والاستثمار والتنقل بين دول المجلس.
وعلى الصعيد الأمني، شكّل تأسيس قوة “درع الجزيرة” واتفاقية الدفاع المشترك خطوة مهمة في بناء منظومة أمن جماعي، أثبتت أهميتها في مواجهة الأزمات المتعاقبة، من الحرب العراقية الإيرانية إلى غزو الكويت، وصولًا إلى التهديدات الإرهابية والاعتداءات الإيرانية الأخيرة على دول الخليج وتهديد أمن الملاحة والطاقة.
كما كشفت التطورات الحديثة أن التحديات لم تعد عسكرية فقط، بل باتت تشمل الأمن السيبراني والحروب الإعلامية وسلاسل الإمداد والتحولات الاقتصادية والتقنية المتسارعة.
وهنا يبرز السؤال الأهم: هل ما زالت مرحلة “التعاون” كافية لمواجهة تحديات المستقبل، أم أن الوقت قد حان للانتقال إلى صيغة اتحاد خليجي تعاوني أو كونفدرالي يحفظ سيادة الدول ويمنحها في الوقت ذاته قوة جماعية أكبر؟ فالعالم اليوم يتجه نحو التكتلات الكبرى، ودول الخليج بما يجمعها من المشتركات التاريخية والاجتماعية والدينية والثقافية تجعل فكرة الاتحاد أكثر واقعية، خصوصا مع نشوء أجيال خليجية جديدة تؤمن بمفهوم “الخليج الواحد”.
إن مجلس التعاون أصبح ضرورة استراتيجية ومظلة استقرار لشعوب الخليج.
ومع تسارع التحولات العالمية، تبدو الحاجة اليوم أكثر إلحاحًا للانتقال من مرحلة التعاون التقليدي إلى مرحلة الاتحاد الخليجي الأكثر قوة وفاعلية، حفاظا على أمن المنطقة واستقرارها ومستقبل أجيالها القادمة.
فحين تتكاثر التحديات حول الأوطان، تصبح الوحدة الخليجية ضرورة مصيرية.
فهل يتحقق الحلم ليكون “خليجنا واحد” حقيقة لا حلما.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك