لا شك أن الأسرة تؤدي دوراً مهمًا في دعم مسيرة أبنائها التعليمية طوال مراحل تعليمهم، لكن التعليم والعمل من المنزل أضافا تحديات جديدة وأعباء إضافية على الأسر.
إن مشهد الآباء وهم يتجمعون خلف شاشات منازلهم أو أماكن عملهم، محاولين التغلب على العقبات التقنية أو شرح الدروس، لهو دليل على حبهم ورغبتهم في الارتقاء بأبنائهم إلى أعلى مستويات التحصيل العلمي.
لكن وراء هذا الدعم المشروع، ثمة خط رفيع بدأ يتلاشى تدريجيًا؛ فقد دفع حماس بعض الآباء إلى القيام بالواجبات المنزلية وحتى المساعدة أثناء الامتحانات الرقمية بطرق تجاوزت حدود ما يُعتبر مساعدة “طبيعية”.
بعض الأسر، إما بدافع تدليل الأبناء أو بحثاً عن الطريق الأسهل، أصبحت أكثر تساهلاً بشأن حضور الحصص الدراسية أو إنجاز الواجبات المدرسية، وتتحول المشكلة - دون قصد - من دعم تربوي إلى شكل من أشكال التضليل الأكاديمي غير المباشر.
ومن وجهة النظر القانونية، فإن النظام التعليمي يقوم على أساس “شخصية التقييم”، أي أن الشهادة تمنح بناءً على الجهد الذهني والمعرفي الذي بذله الطالب.
وعندما يجتهد الوالدان بدلاً عنه، فإن ذلك يشوه مستوى الطالب وكفاءته، وتفقد الشهادة جزءاً من قيمتها الاعتبارية كوثيقة لإثبات الكفاءة العلمية.
الخطر الحقيقي لهذه الظاهرة لا يقتصر على المنزل، بل يمتد إلى آفاق العمل المستقبلية للخريجين.
فسوق العمل الحديث، في النهاية، يُولي أهمية أقل للدرجات المكتوبة في الشهادات، وقيمة أكبر للمهارات الفعلية والخبرة العملية.
وعندما يواجه الخريج اختبارات للحصول على وظيفة أو مقابلة عمل بمفرده، دون أية مساعدة خارجية، تظهر الفجوة بين مستواه الحقيقي والدرجات العالية التي حصل عليها، فيجد نفسه عاجزًا عن المنافسة أو إثبات قدراته.
قد يؤدي الاعتماد المفرط على المساعدة إلى إضعاف مهارات أساسية لدى بعض الطلاب كالثقة بالنفس والتواصل وحل المشكلات، خصوصا في غياب التفاعل الحقيقي وتحمل المسؤولية في تجربة التعلم عن بُعد.
لذا فإن حماية مستقبل الطالب لا تتحقق بصنع نجاح وهمي، بل بإعداده للاعتماد على ذاته والتعلم من أخطائه.
لذا ينبغي أن يقتصر دور الأهل على الدعم اللوجستي والإشراف والتوجيه النفسي والعاطفي لا القيام بالأعمال وحل المشكلات نيابةً عن الطالب، إن الحصول على علامة متوسطة كطالب بناءً على جهده أفضل دائمًا قانونيًا ومهنيًا من الحصول على تقدير زائف قد يتبدد مع أول اختبار حقيقي في سوق العمل.
لتجاوز هذا المأزق يُقترح إدخال تقييمات دورية حضورية في المدارس أو المراكز التعليمية لفصل مرونة التعلم عن بُعد عن دقة الامتحانات المباشرة، حيث يسهم هذا في حماية مصداقية الشهادات وتعزيز العدالة التعليمية فضلاً عن الحفاظ على تنمية المهارات الحقيقية للطلاب، والتي سيحتاجونها في حياتهم المهنية في المستقبل.
ولا يقتصر المستقبل على الشهادات فحسب، بل يقوم على من لديه المهارة الفعلية لتحقيق النجاحات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك