تقرير: التنافس الجيوسياسي يضغط على مسار التحول نحو الطاقة النظيفة رغم نمو الاستثماراترغم استمرار نمو الاستثمارات العالمية في الطاقة النظيفة، تشير التطورات الأخيرة إلى تزايد الضغوط التي تواجه مسار التحول في قطاع الطاقة.
فلم تعد سلاسل الإمداد وتدفقات التمويل والتقنيات الرئيسية تعتمد فقط على اعتبارات الكفاءة الاقتصادية، بل أصبحت تتأثر بشكل متزايد بالتنافس الجيوسياسي والتحولات في السياسات التجارية والصناعية.
وفي أحدث أوراقها البحثية ضمن سلسلة الاستدامة، أوضحت مؤسسة العطية أن التشظي الجيواقتصادي أصبح عاملًا مؤثرًا في مسار التحول إلى الطاقة المتجددة، مع ما يرافقه من تداعيات على سلاسل التوريد والاستثمار والتصنيع.
وتحمل الورقة عنوان: التشظي الجيواقتصادي: المخاطر التي تواجه سلاسل إمداد الطاقة المتجددة، حيث تستعرض تأثير التوترات التجارية، وقيود التصدير، وتركيز سلاسل الإمداد، وتباين الأطر التنظيمية على اقتصاديات الطاقة المتجددة، بما يشمل المعادن الحيوية، والتصنيع، والتمويل، والبنية التحتية.
وتشير الدراسة إلى تزايد التركز في سلاسل توريد المعادن الأساسية اللازمة للتحول الطاقي.
ووفقًا لوكالة الطاقة الدولية، تستحوذ أكبر ثلاث دول في قطاع التكرير على 86% من القدرة العالمية لمعالجة المعادن المرتبطة بالطاقة، بينما تهيمن الصين على تكرير 19 معدنًا من أصل 20 من المعادن الرئيسية المستخدمة في تقنيات التحول الطاقي، إضافة إلى سيطرتها على أكثر من 90% من القدرة العالمية لفصل العناصر الأرضية النادرة.
كما توضح الورقة أن سيناريو محاكاة أجرته الوكالة الدولية للطاقة أظهر أن خروج مورد رئيسي واحد من السوق قد يؤدي إلى نقص في القدرة على تلبية الطلب المتوقع بحلول عام 2035 على المعادن المستخدمة في تصنيع البطاريات والعناصر الأرضية النادرة.
وتنعكس هذه التحديات بشكل متزايد على تكاليف مشاريع الطاقة المتجددة.
فقد ارتفعت تكاليف مشاريع طاقة الرياح البحرية بنسبة تتراوح بين 30% و40% منذ عام 2022، فيما ساهم ارتفاع تكاليف الشحن وتشدد شروط التمويل والاضطرابات في مضيق هرمز في زيادة الضغوط على سلاسل الإمداد المرتبطة بالطاقة المتجددة.
ويبين التقرير أن تكاليف الاقتراض لمشاريع الطاقة الشمسية الكبرى في الأسواق الناشئة لا تزال تتجاوز بأكثر من الضعف مثيلاتها في الاقتصادات المتقدمة، ما يحد من وتيرة التوسع في المناطق التي يُتوقع أن تشهد نموًا متسارعًا في الطلب على الطاقة.
وفي المقابل، تواصل الاستثمارات العالمية في الطاقة النظيفة تسجيل نمو ملحوظ.
إذ تتوقع الوكالة الدولية للطاقة أن تتجاوز الاستثمارات العالمية في قطاع الطاقة 3.
3 تريليون دولار خلال عام 2025، يذهب منها نحو 2.
2 تريليون دولار إلى الطاقة المتجددة، وشبكات الكهرباء، وتقنيات التخزين، وغيرها من التقنيات النظيفة، مقارنة باستثمارات الوقود الأحفوري.
ومن المتوقع أن تستقطب الطاقة الشمسية وحدها نحو 450 مليار دولار خلال عام 2026.
وتشير الورقة كذلك إلى أن مصادر الطاقة المتجددة مجتمعة أصبحت أكبر مصدر عالمي لتوليد الكهرباء متجاوزة الفحم خلال عام 2025.
ومع ذلك، تتوقع الوكالة الدولية للطاقة أن تنمو القدرة الانتاجية للطاقة المتجددة بمقدار الضعف بدلًا من ثلاثة أضعاف بحلول عام 2030، نتيجة استمرار التحديات المرتبطة بالبنية التحتية للشبكات، وإجراءات الترخيص، والتمويل.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، في ظل استمرار الدور المحوري للمنطقة في أسواق الطاقة العالمية، بالتوازي مع توسعها في مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والهيدروجين الأخضر.
ويشير التقرير إلى أن التحدي الرئيسي لم يعد يقتصر على وضع الأهداف أو توفير المعدات، بل يمتد إلى القدرة على تنفيذ المشاريع ضمن الجداول الزمنية المطلوبة.
كما أظهرت الاضطرابات الأخيرة في منطقة الخليج مدى تأثر أنظمة الطاقة والشحن العالمية بالمتغيرات الجيوسياسية، وما يرتبط بذلك من ارتفاع في تكاليف بعض السلع المستخدمة في تصنيع تقنيات الطاقة المتجددة.
كما أن التوسع السريع في السياسات والأطر التنظيمية يثقل كاهل شركات الطاقة.
وتشمل هذه السياسات قانون المواد الخام الحيوية الأوروبي، وآلية تعديل الكربون على الحدود، ومعايير الإفصاح المتعلقة بالاستدامة، إضافة إلى قواعد حوكمة الذكاء الاصطناعي، وهو ما يضيف مزيدًا من التعقيد إلى سلاسل الإمداد العالمية.
ورغم هذه التحديات، تخلص الورقة إلى أن الطاقة المتجددة تواصل تعزيز موقعها ضمن استراتيجيات أمن الطاقة والتنمية الاقتصادية، إلى جانب دورها في دعم جهود خفض الانبعاثات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك