زيارة إِسطنبول أطياف لاحت، وفي المرأى أنداحت، قديما عروس المُدن لُقبت، ومسمى بيزنطة تأسست، وقسطنطينية تلت وأشتهرت، وإسلام بول بعدما فُتحت، والآستانة حين تعثمنت، وإسطنبول أخيرا أستوت، فيها كنائس وقلاع وأسوار وحصون حكت، وأزقة حجرية منحدرة نحو البحر كثرت.
تلتها مساجد عُمرت ذات منائر رماح ارتفعت، وقباب مثل دروع تشكلت.
إسطنبول تقع في إقليم مرمرة شمال غربي تركيا، بحر أسود يحد شمالها، وبحر مرمرة جنوبها، وبوسفور مضيق مجرى مائي حيوي، وميناء بحري، شطرها بين قارتين، آسيوي وأوروبي.
أما تضاريس إسطنبول فهي جبال وهضاب وسواحل ووديان تتناثر فيها قرى وحواضر، وإخضرار يملئها ظاهر.
من تذوق طعامها فهو لذيذ، وعادة شاي ناقع عندهم له تحبيذ، وطراوة حلقوم وبقلاوة ومكسرات مذاقها نفيذ.
المروي تاريخيا، أنه في منتصف القرن السابع قبل الميلاد، أسس المهاجرون الإغريق مدينة بيزاس(بيزنطة) بمنطقة سراي بورنو (عند نقطة التقاء القرن الذهبي ببحر مرمرة) في الطرف الأوروبي من إسطنبول، وعام 330م اختار قسطنطين الأول بيزنطة عاصمة رسمية للإمبراطورية الرومانية وهي لفظة إغريقية، كان اليونانيون يطلقونها على القسطنطينية على إسم قسطنطين.
وحين تم فتح القسطنطينية عهد محمد الفاتح القرن الخامس عشر ميلادي أسماها اسلام بول وتعني مستودع الإسلام، وهذا الأسم لم ينتشر بل أُستبدل بأسم الآستانة وتعني العتبة المقدسة في اللغة الفارسية وأتخذها عاصمة بعد بورصة وأدرنه.
القسطنطينية ظلت زهاء ألف عام عاصمة الأمبراطورية البيزنطية حاضنة أكبر كنيسة، ومنارة لاهوت وعلم يوناني وروماني.
هذه المدينة عبر الزمن تنوعت فيها الأعراق من طوران وكرد وأرمن ولاتين وسولاف وعرب، طال هذا تفتق جمال توارث وأمتد، وعرفت المدينة تواصل حضاري وتجاري منذ القدم، وهي على مفترق طرق القوافل التي تاتي من آسيا، والسفن من البحر المتوسط ترسوا على مرافئها.
الحرير والتوابل، والفراء والمعادن، والزجاج والمخطوطات تُوزن فيها ثم تُرسل إلى جنوة والبندقية وغيرها.
هكذا هي أزدهرت في شوارع وورش عمل تدق، وخبازون ونار أفران تُوقد، وكتبة تنسخ، وخياطون وحرفيون بتنوع مهارات متوفرون.
أسطنبول إخضرار فيها، يكسو الأرض والجبل والوادي والسهل، وعبق زهر يستل كخيوط حرير، وشمسها في بلوج أشعتها تداعب السحاب وأمواج البحار والأشجار كملامسة أردية حريرية.
مشهد يتماثل وكأن لحن نغم خافت يهمس؛ أن الجمال نوتات.
هكذا تمر أطياف بحالم سابح بأوفق الحبّ الذي فيه ابتداء بلا انتهاء، وإنما يرى في حلم جوهر ذوق وسرّه السحري.
وفي هذه المناخات تنبت أشعار كالمثنويات في حكاية يوسف وزليخا، وشعر ملحمة مجنون ليلى للفضولي المتوفى عام 1556م، وقصة خسرو وشيرين في مثنويات شيخي فيلسوف وطبيب صوفي، ومثلها اسكندر نامة للأديب أحمدي، وتآليف سليمان شلبي عن المولد وسردية السيرة النبوية التي إمتدادها إلى اليوم، وبالمثل كتاب محمدية وفيه نزعة صوفية لمحمد بيجان.
العمران في إسطنبول ناطق إلى الآن، إذ بدأ شوطه في القرن السادس عشر ميلادي، حينما شكل المهندس المعماري سنان أفق مباني ضخمة كجامع السليمانية وفيه قوة تشكلت بحجر صامت مع ضوء يتخلل خافت، وكذلك إعمار نوافير وحمامات وبزار وسوق توابل ومزيد غيرها.
ومن الأطياف التي تلوح في إسطنبول، هو ما كان في خلفية تاريخية، وفيها سابق ملحمية سطرها العرب المسلمين، إذ وطئتها سنابك خيلهم في محاولة فتحها، وهذا كان في عهد الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه سنة 27هـ، بقيادة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه وهو أمير الشام، وجيش بإمرة إبنه يزيد، وفي هذه الغزوة استشهد الصحابي أبو أيوب خالد بن زيد الأنصاري عام 52هـ، ودُفِنَ على مشارف أسوار القسطنطينية، وسُمي المكان الذي دُفِن فيه حي أيوب وقبره يزار اليوم، وأبو أيوب من كبار الصحابة شهد بيعة العقبة وشهد كلَّ المعارك في العهد النبوي.
ذكر ابن كثير في مؤلفه البداية والنهاية أحداث سنة 27هـ أنه؛ لما أُفتتحت إفريقية بعث عثمان بن عفان إلى عبدالله بن نافع بن عبد قيس، وعبدالله بن نافع بن الحصين الفهريين من فورهما إلى الأندلس فأتياها من قِبَل البحر، وكتب عثمان إلى الذين خرجوا إليها يقول؛ " إنَّ القسطنطينية إنما تُفتح من قِبَل البحر، وأنتم إذا فتحتم الأندلس فأنتم شركاء لمن يفتح قسطنطينية في آخر الزمان، والسلام".
قال فساروا إليها فافتتحوها ولله الحمد والمنة".
والسبب الذي دفع عثمان بن عفان إلى التحرُّك نحو الروم هو بدء الروم هجماتهم على المسلمين الذين حرَّروا الأراضي العربية في الشام، فقد كانت الشام تحت الاحتلال الروماني في ذلك الوقت، قال أبن جرير الطبري في أحداث سنة 24هـ؛ كتب معاوية بن أبي سفيان، والي الشام، إلى أمير المؤمنين عثمان بن عفان؛ إنَّ الروم قد أجلبت (جمعت للحرب) على المسلمين بجموع عظيمة، وقد رأيت أن يمدهم إخوانهم من أهل الكوفة، فجمعت ثمانية آلاف رجل من أهل الكوفة فمضوا حتى دخلوا مع أهل الشام إلى أرض الروم، فلم تكن غزوات المسلمين لأهداف الفتح فقط، بل في الغالب بهدف صد العدوان وحماية المسلمين من الاعتداءات الخارجية أيضا، وممّا تذكره كُتب التاريخ أنَّ الأتراك لم يكن سهم أو مدد في ذلك الغزو في ذلك الوقت سنة 24هـ، وهذا مذكور في تاريخ الطبري.
كذلك فيما تواتر في التاريخ أن العرب المسلمين كرروا محاولتهم بحصار القسطنطينية بين السنوات 54-60هـ، وكانت هذه المحاولة برية وبحرية، وفيها استولى المسلمون على إزمير، واحتلوا ساحل ليكيا، وخرج الأسطول الإسلامي من جزيرة أرواد بقيادة جنادة بن أبي أمية الأزدي، وأحكم المسلمون حصار القسطنطينية برا وبحرا فلم ينجحوا، وعندها عقد معاوية بن أبي سفيان معاهدة صلح مع إمبراطور الروم قسطنطين الرابع مدتها ثلاثون عاما.
بعدها عهد الوليد بن عبدالملك فتح حصين طوانة 88هـ التي تُعتبر مفتاح الطريق بين الشام ومضيق البوسفور، ثمَّ فتح عمورية وهرقلية عام 89هـ، وبدأ يعدُّ العدة لفتح القسطنطينية، حيث حاول الأمويون فتحها لمرات عديدة دون أن يتمكّنوا من تحقيق النجاح في ذلك.
ولهذا فتح القسطنطينية استمر من أواخر سنوات الخلافة الراشدة وطوال الخلافة الأموية القرن الأول الهجري، ولكنهم فتحوا بوابة الفتح لمن بعدهم بوصول الصحابة رضوان الله عليهم إلى أبوابها، الذي تم لاحقا بدخول السلطان محمد الفاتح الثاني عام 1453م.
مدينة إسطنبول قال عنها نابليون بونابرت؛ لو كان العالم بلدا واحدا لكانت عاصمته هذه المدينة بلا منازع.
وللشاعر معروف الرصافي طيف وصف لمضيق البسفور؛مشاهد في تلك الرُّبى ومناظرتجلت على أطرافها قدرة الباري.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك