مع دقات الساعة الواحدة من صباح اليوم الأحد بالتوقيت المحلي في كييف (22: 00 من مساء السبت بتوقيت غرينتش)، أطلق سلاح الجو الأوكراني عبر قناته على تطبيق" تيليغرام" تحذيراً لكل مواقع وأسلحة الدفاع الجوي من أن روسيا بصدد إطلاق صاروخ" أوريشنيك" الباليستي (Oreshnik)، وما هي إلا دقائق حتى دوت أصداء الانفجارات في أنحاء العاصمة كييف، ومع شروق الشمس، تصاعد دخان أسود من حرائق عدة غطى أفق المدينة، وأظهرت الصور آثار التدمير في أنحاء مختلفة من البلاد.
ليست المرة الأولى التي تستخدم فيها روسيا صاروخ" أوريشنيك" لقصف أوكرانيا، بل هي المرة الثالثة منذ بدء الحرب الروسية في أوكرانيا في فبراير (شباط) 2022، إذ استهدف الهجومان السابقان مدناً كبرى، لكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قال إن الضربة الأحدث" أصابت مدينة بيلا تسيركفا، التي تبعد نحو 64 كيلومتراً عن كييف"، مضيفاً" من المهم ألا يمر هذا دون عواقب بالنسبة إلى روسيا، فالأمر يتطلب إجراءات من الولايات المتحدة وأوروبا وآخرين".
غضب أوروبي وأميركي لازم رد الفعل الأوكراني بعد الهجوم الروسي، لأن الصاروخ يصل مداه إلى آلاف الكيلومترات، وقادر على حمل رأس نووية، فيما لم تنف موسكو استخدامه وقالت اليوم إنها استخدمت صواريخ" أوريشنيك" و" إسكندر" و" كينجال" و" زيركون" للرد على ضربات أوكرانية لمواقع مدنية داخل روسيا.
صاروخ" أوريشنيك" الباليستي الروسي صار رمزاً لمرحلة جديدة في الحرب الروسية على أوكرانيا، لأنه استُخدم بطريقة تحمل رسالة سياسية وعسكرية موجهة إلى كييف والعواصم الأوروبية معاً، وفيما يعني الاسم الروسي" شجرة البندق"، إلا أن دلالته في الخطاب الروسي تحولت إلى أداة تهديد، لأنه سريع ومتوسط المدى، وكذلك قدرته على حمل رؤوس تقليدية أو نووية، ومصمم لإظهار أن موسكو تستطيع التصعيد من دون اللجوء فوراً إلى سلاح نووي صريح.
تقنياً، يصنف" أوريشنيك" كصاروخ باليستي روسي متوسط المدى، متحرك على منصات برية، يعمل بالوقود الصلب، ويُعتقد أنه مشتق من منظومة (RS-26 Rubezh)، ويقدر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن (CSIS) المتخصص في تهديدات الصواريخ مداه بنحو 3500 إلى 5470 كيلومتراً، وهي مسافة تكفي حتى وفق التقدير الأدنى للوصول إلى معظم العواصم الأوروبية من الأراضي الروسية.
يتميز الصاروخ بإمكان حمل رأس واحد أو رؤوس عدة مستقلة التوجيه، وهي خاصية تعرف باسم (MIRV)، مما يجعل اعتراضه أصعب من اعتراض صاروخ يحمل رأساً واحداً فقط، وتشير التقديرات المفتوحة إلى أن الضربة الأولى أظهرت ستة رؤوس يمكن لكل منها نشر ذخائر فرعية.
ظهر" أوريشنيك" في ساحة الحرب للمرة الأولى في الـ21 من نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 عندما ضربت روسيا هدفاً في مدينة دنيبرو الأوكرانية، وصفت وزارة الحرب الأميركية السلاح حينها بأنه صاروخ باليستي متوسط المدى" تجريبي"، وقالت إنه مبني على نموذج (RS-26)، وإن روسيا أبلغت الولايات المتحدة قبل الإطلاق بفترة قصيرة عبر قنوات خفض الأخطار النووية، كما أوضحت واشنطن أن الرأس المستخدم كان تقليدياً، لكن الصاروخ يمكن نظرياً تزويده برؤوس تقليدية أو نووية.
الجانب الأخطر في" أوريشنيك" ليس سرعته فقط، بل الغموض المقصود حول طبيعته، فالصاروخ الباليستي، عند انطلاقه، لا يكشف للخصم هل يحمل رأساً تقليدياً أم نووياً، وهذه النقطة تجعل استخدامه قريباً من سياسة" حافة الهاوية".
الرواية الروسية تقول إن موسكو لم تستخدم سلاحاً نووياً، لكنها في الوقت نفسه تستخدم منصة قادرة على حمله، وتربط ذلك بخطاب تهديدي تجاه أوكرانيا والدول التي تدعمها، لذلك لا تنظر أوروبا إلى الصاروخ كقطعة عسكرية معزولة، بل كأداة ضغط نفسي واستراتيجي.
بعد ضربة دنيبرو، تحدث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في خطاب تلفزيوني وقال إن استخدام" أوريشنيك" جاء رداً على سماح الولايات المتحدة وبريطانيا لأوكرانيا باستخدام أسلحة بعيدة المدى ضد أهداف داخل روسيا، وذكر أن موسكو قد تحدد أهدافاً مستقبلية بناءً على" التهديدات" التي تواجه أمنها، وأنها تعتبر نفسها مخولة بضرب منشآت عسكرية في الدول التي تسمح باستخدام أسلحتها ضد روسيا، وادعى أن الصاروخ يطير بسرعة تقارب" ماخ 10" وأن أنظمة الدفاع الجوي الحديثة لا تستطيع اعتراضه.
لهذا السبب تحديداً تعتبر أوروبا" أوريشنيك" جزءاً من ترهيب روسي لأوكرانيا ولداعميها، فالمسألة ليست أن روسيا اختبرت سلاحاً جديداً فحسب، بل إنها عرضته سياسياً كتحذير للدول الأوروبية مفادها أن" استمرار دعمكم لأوكرانيا يجعلكم ضمن دائرة الاستهداف".
وكالة" أسوشيتد برس" نقلت أن بوتين حذر الغرب من أن الاستخدام التالي للصاروخ قد يكون ضد حلفاء أوكرانيا في حلف شمال الأطلسي (الناتو) إذا سمحوا لكييف باستخدام صواريخ بعيدة المدى داخل روسيا، ونقلت أن مسؤولين ومتخصصين روساً تحدثوا عن قدرة الصاروخ على بلوغ أهداف أوروبية خلال دقائق.
حلف" الناتو" قرأ الرسالة بالطريقة نفسها، ففي اجتماع مجلس" الناتو – أوكرانيا" في الـ26 من نوفمبر 2024، قال الحلف إن إطلاق الصاروخ على دنيبرو يُنظر إليه كمحاولة روسية أخرى" لإرهاب السكان المدنيين في أوكرانيا وترهيب من يدعمون أوكرانيا"، مؤكداً أن نشر هذه القدرة لن يغير مسار الحرب ولن يردع الحلفاء عن دعم كييف.
وربما تكتسب العبارة أهمية من كونها تلخيصاً للنظرة الأوروبية بأن" أوريشنيك" ليس مجرد سلاح لإصابة هدف عسكري، بل رسالة لإضعاف إرادة المدنيين الأوكرانيين، وإخافة الناخب الأوروبي، والضغط على الحكومات كي تخفف مساعداتها.
زاد القلق الأوروبي لاحقاً بسبب نشر منظومات" أوريشنيك" في بيلاروسيا، ففي ديسمبر (كانون الأول) 2025، أعلنت روسيا عرض ونشر منظومات نووية القدرة في بيلاروسيا، وهي دولة تحد أوكرانيا وأعضاء في" الناتو" مثل بولندا وليتوانيا ولاتفيا، وذكرت تقارير أن هذا التموضع يمكن أن يعزز قدرة موسكو على ضرب أوروبا في أي صراع محتمل، ويقصر زمن وصول الصواريخ إلى أهداف أوروبية.
وبحسب مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، عاد" أوريشنيك" إلى الواجهة في 2026، حين استخدمته روسيا مرة أخرى في يناير (كانون الثاني) الماضي ضد منشأة في منطقة لفيف غرب أوكرانيا ضمن ضربة صاروخية أوسع.
وفي الـ24 من مايو (أيار) الجاري، ذكرت" أسوشيتد برس" أن زيلينسكي قال إن روسيا استخدمت" أوريشنيك" خلال هجوم واسع بالطائرات المسيّرة والصواريخ على كييف، وأنه ضرب منطقة بيلا تسيركفا في إقليم كييف، بينما تسبب الهجوم الأوسع في قتل أشخاص عدة وإصابة آخرين.
ووفق مراقبين فإن استخدام الصاروخ للمرة الثالثة في فترة زمنية قصيرة يحمل رسالة" ترهيب"، لأنه قادر على حمل رؤوس نووية أو تقليدية، مما يخلق غموضاً خطراً عند كل إطلاق، كذلك فإن مداه يربط الحرب في أوكرانيا مباشرة بأمن العواصم الأوروبية، في حين ترافق استخدامه مع خطاب روسي يهدد الدول التي تزود أوكرانيا بالسلاح، إضافة إلى استخدامه ضمن ضربات واسعة على مدن وبنية تحتية وليس في اختبار معزول داخل ميدان عسكري.
ويرى متابعون للشأن الروسي أن قيام موسكو بنشر صواريخ" أوريشنيك" في بيلاروس يجعله أقرب جغرافياً إلى أوروبا الشرقية ويعزز صورة السلاح الموجه إلى حلف" الناتو"، مما يعني أنه أداة قوية في الحرب النفسية التي تمارسها روسيا مع أوروبا التي تراه" ابتزازاً أمنياً".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك