أثار ظهور نواف البشير، شيخ عشيرة البقارة، موجة واسعة من الانتقادات والغضب بين السوريين، عقب عودته إلى منزله في بلدة محيميدة بريف دير الزور الغربي، وفق ما رصدته وسائل إعلام محلية.
وانتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع مصورة تُظهر مواكب مرافقة للبشير خلال عودته إلى المنطقة، ما دفع ناشطين ومغردين إلى توجيه انتقادات حادة له، على خلفية تاريخه المرتبط بدعم النظام المخلوع والميليشيات المدعومة من إيران.
وقال رواد مواقع التواصل إن ظهور البشير بهذا الشكل يمثل" استفزازاً للسوريين"، فيما رأى آخرون أن عودته تعكس غياب المحاسبة بحق شخصيات متهمة بالتورط في انتهاكات خلال سنوات حرب النظام على السوريين.
وتعليقاً على الأمر، قال فضل عبد الغني، مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، في تصريح خاص لموقع تلفزيون سوريا، اليوم الأحد، إن عودة نواف البشير إلى دير الزور بعد خروجه بموجب تسوية مع الحكومة السورية خلال المرحلة الانتقالية، تعكس أزمة بنيوية في مسار المساءلة والعدالة الانتقالية في سوريا.
وأوضح عبد الغني أن نواف البشير" ليس شيخ قبيلة عادياً"، بل شخصية تنقلت بين مواقف متعددة خلال سنوات الثورة، مؤكداً ارتباط أبنائه بميليشيا" لواء الباقر" التابعة للحرس الثوري الإيراني، حيث قُتل اثنان منهم أثناء مشاركتهما في نشاطات الميليشيا في عهد النظام.
وأضاف أن البشير ارتبط أيضاً بـ" فوج العشائر الهاشمية"، الذي ضم نحو ألف مقاتل معظمهم من عناصره، وكان يعمل بإمرة الحرس الثوري الإيراني بهدف مواجهة" قوات سوريا الديمقراطية" وتعزيز النفوذ الإيراني شرق الفرات.
مسؤولية قانونية وفق القانون الدوليوبيّن مدير الشبكة السورية أن قادة الجماعات المسلحة المرتبطة بأطراف النزاع يخضعون لمبدأ" مسؤولية القيادة" المنصوص عليه في المادة 28 من نظام روما الأساسي، والتي تفرض المسؤولية الجنائية على القادة الذين يعلمون، أو كان ينبغي لهم أن يعلموا، بارتكاب مرؤوسيهم جرائم، ثم يفشلون في منعها أو معاقبة مرتكبيها.
وأكد أن أي تسوية تُخرج شخصيات من هذا النوع من دون مراجعة قضائية مسبقة تمثل تعارضاً صريحاً مع هذا المبدأ، وتؤدي إلى تقويض الثقة بأي مسار مستقبلي للمساءلة.
وحذّر عبد الغني من تكرار هذا النمط، الذي يُعرف في أدبيات العدالة الانتقالية بـ" الإفلات من العقاب المتفاوض عليه"، معتبراً أنه" أشد تدميراً لحقوق الضحايا من الإفلات من العقاب الناتج عن ضعف المؤسسات".
آثار نفسية واجتماعية لغياب المحاسبةوأشار عبد الغني إلى أن غياب المحاسبة لا يقتصر على انتهاك الحقوق القانونية للضحايا المنصوص عليها في قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 60/147 الخاص بمبادئ الانتصاف وجبر الضرر، بل يخلّف أيضاً آثاراً نفسية واجتماعية عميقة.
وأوضح أن هذا الواقع يولد ما يُعرف في أدبيات العدالة الانتقالية بـ" الصدمة الثانوية المؤسسية"، أي شعور الضحايا بأن الدولة نفسها باتت تكرّس الظلم بدلاً من معالجته.
ولفت إلى أن عودة البشير إلى دير الزور بموكب مسلح، في محافظة عانى سكانها من انتهاكات الميليشيات الإيرانية، أثارت موجة غضب واسعة، معتبراً أن هذا الغضب يمثل" إشارة سياسية خطيرة" إلى أن أي عقد اجتماعي جديد لن يكون قابلاً للحياة في غياب العدالة.
تجارب دولية تحذر من تجاهل العدالةوأشار عبد الغني إلى أن التجارب المقارنة، من جنوب أفريقيا إلى رواندا والبوسنة، أظهرت أن المجتمعات التي تشهد عودة شخصيات متورطة بانتهاكات من دون محاسبة، تبقى عالقة في دوامات العنف الانتقامي وفقدان الثقة بمؤسسات الدولة.
وأضاف أن خطورة هذا المسار في سوريا تتضاعف بسبب الطابع الطائفي والعشائري للنزاع، معتبراً أن إعادة تعويم شخصيات مرتبطة بمشاريع إيرانية ذات أبعاد طائفية" تنفخ في جمر التوترات العشائرية"، وتعيد إلى أذهان أهالي دير الزور سنوات القهر التي ارتبطت بالنفوذ الإيراني في المنطقة.
" لا عدالة انتقالية بلا مساءلة"وشدد عبد الغني على أن موقف الشبكة واضح في هذا الملف، مؤكداً أنه" لا يمكن الحديث عن عدالة انتقالية حقيقية من دون مساءلة فردية، ولا عن مصالحة وطنية مستدامة تقوم على تجاوز جرائم الماضي عبر تسويات سياسية تتعارض مع المعايير الدولية".
وختم بالقول إن غياب المحاسبة" لا يغلق ملفات الماضي، بل يبقيها مفتوحة كجروح نازفة قابلة للانفجار مجددًا في أي لحظة".
من شيخ عشيرة إلى قيادي في ميليشيات موالية لإيران.
ويُعد نواف راغب البشير أحد أبرز شيوخ عشيرة البقارة في سوريا، إذ ورث مشيخة القبيلة عن والده راغب البشير عام 1980، كما شغل سابقاً عضوية مجلس الشعب السوري بين عامي 1988 و1992.
وعُرف البشير بنشاطه السياسي المعارض خلال سنوات حكم حافظ الأسد وبداية حكم ابنه بشار المخلوع، حيث شارك في" ربيع دمشق"، وأسهم في تأسيس" إعلان دمشق" عام 2005، كما أسس لاحقاً حزب" المستقبل السوري".
ومع انطلاق الثورة السورية عام 2011، أعلن دعمه للحراك الشعبي وشارك في النشاطات المعارضة، قبل أن يعتقله النظام في تموز/يوليو من العام ذاته بتهم تتعلق بـ" التحريض على العنف والتواصل مع جهات أجنبية"، بحسب ما ذكره موقع" الذاكرة السورية".
بعد خروجه من سوريا وإقامته في تركيا، عاد البشير إلى دمشق مطلع عام 2017، عقب زيارات أجراها إلى روسيا وإيران، معلناً تأييده للنظام حينها، ومعتبراً أن" الثورة انتهت".
وأثارت عودته آنذاك موجة استنكار واسعة بين أبناء عشيرة البقارة، حيث أعلن مئات الوجهاء والشخصيات العشائرية والسياسية التبرؤ منه وعزله من منصبه شيخاً للعشيرة.
وبعد عودته، قدّم البشير اعتذاراً للنظام عن مواقفه السابقة، وانضم إلى ميليشيا" لواء الإمام الباقر" المدعومة من الحرس الثوري الإيراني، كما أسس مجموعات مسلحة تحت اسم" فيلق أسود عشائر سوريا".
" تورط في التجنيد والانتهاكات"وتؤكد أوساط محلية وحقوقية تورط البشير في المشاركة بعمليات تجنيد شبان من أبناء العشائر لصالح التشكيلات المدعومة إيرانياً في دير الزور، مستفيداً من الظروف الاقتصادية والأمنية التي شهدتها المنطقة خلال سنوات الحرب.
كما ارتبط اسمه، وفق تقارير محلية، بإدارة شبكات تهريب مخدرات بالتنسيق مع مجموعات تابعة للنظام، إلى جانب مشاركته في العمليات العسكرية إلى جانب القوات الموالية للنظام.
وقُتل اثنان من أبناء البشير عام 2018 خلال مشاركتهما في القتال ضمن صفوف" لواء الباقر".
ولم يغادر البشير العاصمة دمشق خلال السنوات الماضية، قبل أن يظهر في كانون الأول/ديسمبر 2025 في مقطع فيديو نفى فيه الأنباء التي تحدثت عن اعتقاله، معلناً دعمه للرئيس السوري، أحمد الشرع.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك