تُنتج الحياة الثقافية أحيانا مفارقات لافتة، من أبرزها أن يتحول شعار «نقد النقد»، وهو في أصله ذروة الوعي المنهجي، إلى ممارسة انطباعية تفتقر إلى الحد الأدنى من التحليل النصي.
وهذه المفارقة تتجلى بوضوح في ما يمكن تسميته بظاهرة «الناقد الشفاهي»، ذلك الذي يتقدم المشهد بخطابٍ تقويميٍّ عالي النبرة، لكنه يفتقر إلى منجزٍ مكتوب يؤسس لسلطته النقدية.
لا يعاني الناقد الشفاهي من غياب الرأي، بل من غياب النص المؤسس للرأي؛ فهو حاضر في الندوات والتعقيبات، سريع في إطلاق الأحكام، جازم في توصيفاته، غير أن هذه الأحكام تظل معلقة في فضاء القول، لا تسندها قراءة تحليلية دقيقة، ولا تفكيكٌ إجرائي للنصوص التي يتناولها.
ومن هنا تنشأ سلطة بديلة، قوامها الأداء الشفاهي، لا البرهان المعرفي.
وإذا ما تأملنا بعض النماذج المعاصرة لهذا الناقد الشفاهي، نجد أن الخطاب النقدي الذي يتصدى لتقويم كتابٍ جماعي يتناول منجز ناقد أكاديمي، على سبيل المثال لا الحصر، وإلا فالأمثلة كثيرة لتجلياته في الواقع – قد انزلق إلى هذا النمط من النقد، فيما كتبه في منشورٍ له على صفحته على تطبيق «فيسبوك» رفع فيه دعاوى كبرى من قبيل غياب التحليل، أو ضعف الخبرة، أو انغماس الباحثين في الاحتفاء، من دون أن تُقرن هذه الأحكام بقراءات نصِّيةٍ تفصيليةٍ تكشف مواضع الخلل بدقة، أو يستدعي مفاهيم من قبيل «سلطة الخطاب» أو «نسق التلمذة»، على نحو ما نجده في تصورات ميشيل فوكو، فهذا لا يكفي بحد ذاته لإنتاج معرفة نقدية، ما لم يُدعَم بتحليلٍ سوسيولوجي ونصيٍّ، يبيّن كيف تتشكل هذه السلطة داخل الحقل الثقافي.
أما إطلاقها بوصفها نتائج جاهزة، فإنه يقرّب الخطاب من التوصيف الانطباعي أكثر مما يدنيه من النقد العلمي، بل كل ما لديه لا يخرج عن انطباعات سريعة.
وهنا تتبدّى المفارقة بجلاء: خطابٌ يطالب بالنقد، لكنه لا يمارس أدواته، ويدعو إلى التفكيك، من دون أن يقدّم نموذجا إجرائيا عليه.
بل يمكن أنْ تكشف رمزية هذا الفعل للمتأمِّل، أحد تجلّيات السيولة/ التي تستسهل الممارسة النقدية وتبتسرها في منشور يتاح للعامّة، وليس المشكلة في إتاحة هذه الممارسة للعامة، بل لما تُشيعه من أحكام وتصوّرات توصل فكرةً لمن هو خارجٌ عن حقل الاختصاص، أنَّ هذا المنشور يمثّل النقد أو نقد النقد، ولا شيء خارجٌ عنه، ومثل هذا الفعل يُسهم بصورة غير مباشرة إلى تسطيح الوعي العمومي بهذه الممارسة الفكرية التي تتطلّب مؤهّلات وخطوات وتفاصيل لا يُمكن أنْ توجَز وتُختَصر بمنشورٍ يفتقر أساسا إلى لغةٍ نقدية لها ضوابطها التي لا يُدركها سوى أهل الاختصاص.
وبهذا التضليل الذي مُورس بعنوان: «النقد» أو «نقد النقد» ينبني خطاب «الناقد الشفاهي» فهي مساحتُهُ الأثيرة، التي يرى فيها ذاته، وليس له سواها!لا تنشأ ظاهرة «الناقد الشفاهي» اعتباطًا، بل تتغذى من شبكة أسباب متداخلة تتساند في إنتاجها وترسيخ حضورها داخل المشهد الثقافي.
فبينما تبدو الكتابة النقدية فعلا مركّبا يتطلب امتلاك أدوات معرفية دقيقة، وقدرة على بناء الحجة، وصبرا على التحليل، يظل القول الشفاهي مساحة أكثر رخاوة، يتيح لصاحبه التحرك ضمن هامش واسع من الانطباع والمراوغة، دون أن يُلزم نفسه بمنهج واضح، أو برهان قابل للفحص.
وفي هذا السياق، يبرز ما يمكن تسميته بالاقتصاد الرمزي داخل الحقل الثقافي، حيث تمنح الندوات والملتقيات حضورا سريعا ورأسمالا رمزيا جاهزا، يختزل الطريق نحو الاعتراف، ويعوّض ظاهريا غياب المنجز المكتوب، فتُزاح قيمة النص لصالح قيمة الظهور، ويتحول التكرار إلى أداة لتكريس سلطة لا تستند بالضرورة إلى إنتاج معرفي راسخ.
ويتعزز هذا الوضع في ظل هشاشة آليات المساءلة النقدية، إذ يظل النص المكتوب عرضة للمراجعة والنقض، وإعادة القراءة، بينما يفلت القول الشفاهي من قبضة التفنيد، لكونه غير موثّق في الغالب، ولا يُعاد اختباره ضمن سياق علمي منضبط، الأمر الذي يتيح للأحكام العامة أن تنتشر، من دون مقاومة تُذكر.
وفي موازاة ذلك، تسهم نزعات التضخم الذاتي في دفع بعض الأفراد إلى تثبيت مواقعهم داخل الجماعة الثقافية، عبر ادعاء امتلاك سلطة نقدية، تستند في ظاهرها إلى نبرة واثقة ولغة تقريرية، لكنها في العمق تفتقر إلى رصيد معرفي متحقق.
ويزداد الالتباس حين تختلط حدود الثقافة العامة بالمعرفة التخصصية، فيُتوهم أن امتلاك حصيلة قرائية، أو قدرة خطابية كافٍ لإنتاج خطاب نقدي، في حين أن النقد، في جوهره، ممارسة منهجية دقيقة، لا تستقيم على مجرد الرأي مهما تزيّن بثقافة عامة.
ومن أبرز ما يفضح هشاشة هذا النمط من التلقي والنقد، اختلال الأداة اللغوية ذاتها، وهي الوسيط الذي يقوم عليه الخطاب النقدي ويُبنى به.
فالنقد الأدبي ما هو إلا اشتغال واع على اللغة وبها، وأي خلل في امتلاكها ينعكس مباشرة على دقة الفهم وسلامة الحكم.
إن الجهل بالفروق الأساسية في بنية اللغة، من نحو وصرف ودلالة، لا يمكن النظر إليه بوصفه خللا شكليا عابرا، بل هو اختلال بنيوي يقوّض إمكان التحليل من أساسه.
إذ كيف يمكن لمن يضطرب عنده ضبط التركيب، أو يلتبس عليه تمييز العلاقات النحوية، أن يتصدى لتفكيك خطاب أدبي، أو نقدي يتسم بالتعقيد والتركيب؟ إن من يفتقد الأداة لا ينتج معرفة، بل يعيد تدوير الانطباع في هيئة حكم يبدو ظاهريا موضوعيا.
ولا يعني هذا ردّ النقد إلى حدود النحو، أو اختزاله في سلامة الأداء اللغوي، بل الإشارة إلى أن اللغة، بوصفها وعاء الفكر، تظل شرطا أوليا لسلامة التصور ذاته، إذ كثيرا ما يكشف اضطراب التعبير عن خلل أعمق في بنية التفكير.
ومن هنا، يمكن فهم كثير من الأحكام المتعجلة التي يطلقها من يُسمى «الناقد الشفاهي»، بوصفها نتيجة لهذا الخلل المركب، حيث يتجاور ضعف الأداة اللغوية، مع ادعاء سلطة نقدية لا تسندها معرفة راسخة، فينشأ خطاب يفتقر إلى العمق، ويستعيض عن التحليل بالتقرير، وعن البرهان بالانطباع.
إن أخطر ما في هذا النمط أنه يعيد إنتاج الخلل الذي يدّعي مقاومته؛ فبدل أن يواجه «الاحتفاء غير النقدي» بنقدٍ مؤسس، يقع في «رفض غير نقدي»، يستبدل التمجيد بالتبخيس، من دون أن يغادر منطق الأحكام الكلية.
وهكذا يغدو المشهد بين طرفين، احتفاء بلا مساءلة، ونقض بلا برهنة.
إن النقد، لكي يستقيم، يحتاج إلى شرطين متلازمين: نص يُكتب، ومنهج يُطبّق.
أما ما عدا ذلك، فمهما بدا واثقا في نبرته، يظل في حدود الرأي الشفاهي، الذي لا يُمتحن لأنه لا يُدوَّن، ولا يُراجَع لأنه لا يُبنى على إجراءات واضحة.
وعليه، فإن استعادة التوازن في الحقل النقدي تمرّ عبر إعادة الاعتبار إلى معيار بسيط لكنه حاسم: لا نقد للنقد من خارج النص، ولا سلطة نقدية بلا منجز يُحتكم إليه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك