على امتداد الطريق الصحراوي الطويل بين العراق وسوريا، تتحرك مئات الصهاريج يومياً ضمن أرتال ضخمة محمّلة بالفيول العراقي باتجاه الساحل السوري، في مشهد لم تعرفه البلاد بهذا الحجم منذ سنوات.
لكن ما يبدو مجرد حركة نقل نفطية عابرة، يخفي وراءه تحولات أعمق تتعلق بالطاقة والسياسة والاقتصاد والجغرافيا الإقليمية، مع سعي بغداد لإيجاد منافذ بديلة بعد اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، ومحاولة دمشق استعادة دورها ممراً إقليمياً لنقل الطاقة.
وخلال مقابلات خاصة أجراها موقع تلفزيون سوريا مع عدد من سائقي الشاحنات العراقية، كشف السائقون تفاصيل الرحلة الطويلة التي تبدأ من العراق مروراً بالأنبار ثم معبر التنف وصولاً إلى مصفاة بانياس، قبل أن تتحول لاحقاً إلى مسار جديد عبر معبر اليعربية.
وصف أحد السائقين العراقيين الرحلة بأنها مرهقة وطويلة، موضحاً لموقع تلفزيون سوريا أن الرتل" ينطلق من العراق، تحديداً من مدينة بيجي قرب الموصل، باتجاه الأنبار، ثم يدخل الأراضي السورية عبر التنف وصولاً إلى بانياس لتفريغ الحمولة في المصفاة".
وقال ثائر خليفة، أحد سائقي الشاحنات العراقية المحملة بالفيول، لموقع تلفزيون سوريا، إن حركة القوافل تتم ضمن أرتال منظمة لأسباب أمنية، مضيفاً أن الرتل الواحد قد يضم أحياناً 160 شاحنة، وأحياناً أخرى نحو 100 شاحنة فقط، مع التزام كامل بعدم تجاوز الرتل حفاظاً على السلامة العامة.
وأضاف خليفة أن الطريق كان يستغرق نحو يومين تقريباً للوصول إلى بانياس بسبب طول المسافة والإجراءات المرتبطة بحركة الأرتال، إلا أن مدة الرحلة قد تمتد إلى أربعة أيام بسبب الوقت المستهلك في انتظار تفريغ الحمولة داخل مصفاة بانياس.
وأشار إلى أنه كان في بانياس منذ أكثر من يومين وقت إجراء المقابلة.
وفي سؤال لسائق آخر عن أماكن التفريغ، أوضح أنه في بداية شهر نيسان لم يكن هناك أكثر من 30" شمعة"، وهو المصطلح المستخدم للدلالة على مصبات التفريغ، قبل أن تتم توسعتها لتصل إلى 60" شمعة" لاستيعاب ازدياد القوافل، مع وجود خطة لرفع العدد إلى 90.
ورغم صعوبة الرحلة، عبّر بعض السائقين العراقيين عن ارتياحهم لتحسن العلاقات بين البلدين، مؤكدين سعادتهم" بعودة العلاقات الجيدة بين الشعبين".
لكن السائقين أنفسهم كانوا من أوائل من طرحوا فكرة فتح معبر ربيعة - اليعربية أمام هذه القوافل، باعتباره طريقاً أقصر وأكثر سهولة، ويوفر الوقت والجهد مقارنة بالمسار الصحراوي الطويل عبر التنف، وفق ما صرحوا به لموقع تلفزيون سوريا.
ولا تقتصر رحلة سائقي الصهاريج العراقية على طول المسافة وانتظار التفريغ في مصفاة بانياس، إذ ترافق حركة الأرتال مخاطر يومية على الطرق السورية، لا سيما مع مرور قوافل كبيرة تضم عشرات الشاحنات المحملة بالفيول.
ففي 9 من أيار/مايو الجاري، أفاد مدير العلاقات العامة في الهيئة العامة للمنافذ والجمارك، مازن علوش، بوقوع حادث لقافلة صهاريج محملة بالفيول العراقي ضمن عمليات الترانزيت القادمة من منفذ اليعربية الحدودي باتجاه مصفاة بانياس.
ووقع الحادث على طريق M4 قرب بلدة بسنقول في ريف إدلب، بعدما فقد صهريجان القدرة على الكبح أثناء سيرهما ضمن الرتل، ما أدى إلى اصطدامهما ببعضهما وانفجار أحدهما واندلاع حريق في الموقع.
وأسفر الحادث عن وفاة سائق سيارة سياحية كانت تعبر الطريق لحظة وقوعه، إضافة إلى إصابة ثلاثة من سائقي القافلة ونقلهم إلى المستشفى لتلقي العلاج.
وتحوّل هذا الحادث إلى مؤشر إضافي على أن مسار الصهاريج لا يختصر فقط حسابات النفط والتجارة والعبور، بل يفتح أيضاً ملف سلامة الطرق، وتنظيم الأرتال، وجاهزية نقاط الاستجابة للطوارئ، لا سيما مع تزايد حركة الشاحنات الثقيلة بين اليعربية وبانياس.
بداية المسار.
التنف بوابة النفط العراقيفي الأول من نيسان الماضي، أعلنت وزارة الطاقة السورية وصول أولى قوافل الفيول العراقي إلى الأراضي السورية عبر منفذ التنف الحدودي، متجهة إلى مصفاة بانياس تمهيداً لإعادة تصديره عبر البحر المتوسط.
ولاحقاً، أكدت الشركة السورية للبترول بدء استقبال القوافل بشكل رسمي، معتبرة أن الخطوة تعكس" استعادة سوريا دورها كممر إقليمي للطاقة".
ووصلت أولى القوافل الكبيرة إلى بانياس مطلع نيسان، وكانت مؤلفة من 178 صهريجاً دخلت عبر معبر التنف ضمن اتفاق بين بغداد ودمشق لنقل النفط العراقي براً تمهيداً لتصديره بحرياً.
وبحسب شركة تسويق النفط العراقية" سومو"، فقد جرى التعاقد على تصدير نحو 50 ألف برميل يومياً عبر الأراضي السورية، مع خطط لزيادة الكميات لاحقاً وفق تطورات البنية التحتية والاستيعاب اللوجستي.
لماذا احتاج العراق إلى سوريا؟لم يكن التحول العراقي نحو المسار السوري خياراً اقتصادياً مثالياً بقدر ما كان ضرورة فرضتها الحرب والتوترات في الخليج.
فمع تصاعد الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران وإغلاق مضيق هرمز فعلياً لفترات متقطعة، تراجعت صادرات العراق النفطية بشكل حاد، وانخفض الإنتاج من أكثر من أربعة ملايين برميل يومياً إلى نحو 1.
1 مليون برميل فقط، وفق تقديرات عراقية.
هذا التراجع دفع بغداد إلى البحث سريعاً عن منافذ بديلة لتجنب اختناق قطاع الطاقة، فكان النقل البري عبر سوريا أحد الخيارات المتاحة، رغم تكلفته المرتفعة مقارنة بالنقل البحري.
ومع اتساع حركة الصهاريج العراقية باتجاه بانياس، تعود الجغرافيا السورية إلى واجهة مشهد الطاقة الإقليمي، بوصفها ممراً برياً يربط العراق بالساحل المتوسطي، ويستحضر في الخلفية مسارات تاريخية مثل خط كركوك ـ بانياس.
خط كركوك ـ بانياس.
مشروع قديم يعود إلى الواجهةيُعرف هذا الخط باسم خط أنابيب كركوك ـ بانياس، وهو أحد أقدم خطوط نقل النفط في المنطقة.
ويبدأ الخط من حقول النفط في كركوك شمالي العراق، قبل أن يدخل الأراضي السورية عبر البادية، مروراً بمحطات ضخ رئيسية مثل T2 وT4، وصولاً إلى ميناء بانياس على الساحل السوري، حيث كان يُستخدم لتصدير النفط إلى الأسواق العالمية.
ويبلغ طول الخط نحو 800 كيلومتر، وقد صُمم بقدرة استيعابية تصل إلى 300 ألف برميل يومياً.
وافتُتح الخط عام 1952 من قبل شركة نفط العراق (IPC)، لكنه تعرض لتوقفات متكررة لأسباب سياسية وفنية، أبرزها خلال الحرب العراقية الإيرانية عام 1982.
وأعيد تشغيله جزئياً قبل عام 2003، لكنه توقف تماماً عقب الغزو الأميركي للعراق نتيجة تضرر البنية التحتية، ثم خرج عن الخدمة نهائياً مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، وتقلبات السيطرة العسكرية في البادية، بين النظام المخلوع، وتنظيم" داعش".
وحالياً، يُعد الخط خارج الخدمة وغير صالح للتشغيل الفوري بسبب تعرض أجزاء كبيرة منه للتآكل والسرقة والتدمير خلال العمليات العسكرية.
ورغم ذلك، ما تزال بغداد ودمشق تجريان محادثات دورية لإعادة تأهيله، منذ سقوط النظام المخلوع.
من التنف إلى اليعربية.
لماذا تغيّر المسار؟رغم انطلاق القوافل عبر التنف، أعلنت الشركة السورية للبترول، في الثاني من أيار الجاري، تحويل مسار شحنات الفيول العراقي إلى معبر ربيعة ـ اليعربية مروراً بطريق" M4" باتجاه بانياس.
وبحسب مدير إدارة الاتصال المؤسساتي في الشركة، صفوان شيخ أحمد، في تصريحات لموقع تلفزيون سوريا، فإن القرار" لوجستي بحت"، ويهدف إلى اختصار المسافة والزمن وتسريع وصول التوريدات دون تغيير العقود الموقعة مع العراق.
ولم يكن التحول شكلياً فقط، بل ترافق مع إعادة تفعيل معبر اليعربية رسمياً بعد إغلاق استمر 13 عاماً، في خطوة اعتبرتها دمشق وبغداد جزءاً من إعادة تنشيط الحركة الاقتصادية والتجارية بين البلدين.
كما بدأت السلطات العراقية باستخدام اليعربية لتصدير النفط الخام باتجاه سوريا، عبر إرسال دفعات أولية مؤلفة من عشرات الصهاريج يومياً، مع خطط لزيادة العدد لاحقاً.
بانياس تستعد لاستقبال أكبربالتزامن مع تحويل المسار، رفعت الشركة السورية للبترول القدرة التشغيلية لتفريغ صهاريج النفط العراقية في مصفاة بانياس بنسبة 30 بالمئة، بعد تشغيل ساحات تفريغ جديدة وتحسين أنظمة الضخ المباشر إلى الخزانات.
وارتفع عدد الصهاريج التي يجري تفريغها يومياً من نحو 300 صهريج إلى قرابة 500 صهريج، أي ما يعادل نحو 120 ألف برميل يومياً.
وتقول الشركة إن هذه التعديلات وفّرت نحو 40 ساعة عمل، وأسهمت في تسريع عمليات الإمداد وتحسين استمرارية التوريد.
كما بدأت عمليات تحميل النفط العراقي على ناقلات بحرية في ميناء بانياس، أبرزها الناقلة" أساهي برنسيس"، التي بلغت حمولتها نحو 85 ألف طن من الفيول العراقي المعد للتصدير.
طريق اقتصادي أم مشروع سياسي؟ورغم الطابع الاقتصادي الواضح للمشروع، فإن أبعاده السياسية تبدو حاضرة بقوة.
فبغداد تحاول تقليل اعتمادها شبه الكامل على الخليج ومضيق هرمز، بينما تسعى دمشق إلى استعادة موقعها التقليدي ممراً للطاقة والتجارة بين الشرق والبحر المتوسط.
وبين ضرورات الحرب، وأزمات الطاقة، وحسابات الجغرافيا والسياسة، تبدو قوافل الفيول العراقية التي تعبر الصحراء اليوم أكثر من مجرد شاحنات محملة بالنفط، بل مؤشراً على تحولات إقليمية أوسع قد تعيد رسم خرائط الطاقة والنقل في المنطقة بأكملها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك